شبه الجزيرة نت | اقتصاد | محلي
يواجه القطاع الزراعي في اليمن واحدة من أكثر مراحله حساسية مع اقتراب نهاية شهر يناير 2026، في ظل تحذيرات مناخية متزامنة تنذر بموجة صقيع قاسية وجفاف ملحوظ في المرتفعات.
هذه التطورات لا تُعد مجرد حالة طقس عابرة، بل تمثل صدمة مناخية ذات أبعاد اقتصادية مباشرة، تهدد سبل عيش ملايين السكان وتعكس هشاشة منظومة الأمن الغذائي في البلاد.
ووفقاً لنشرات الإنذار المبكر الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، فإن المرتفعات اليمنية مرشحة لانخفاض حاد في درجات الحرارة خلال ساعات الليل، قد يصل إلى مستويات ملامسة للتجمد، بالتزامن مع ضعف في الهطول المطري.
هذا التزامن بين الصقيع والجفاف يشكل سيناريو عالي الخطورة على الإنتاج الزراعي، خاصة في بلد يعتمد جزء كبير من اقتصاده الريفي على الزراعة المطرية والمحاصيل الموسمية.
مناطق الإنتاج تحت الضغط المناخي
تكتسب هذه التحذيرات أهمية مضاعفة بالنظر إلى النطاق الجغرافي المتوقع تأثره، حيث تشمل محافظات تُعد من أعمدة الإنتاج الزراعي المحلي مثل صنعاء وذمار وصعدة.
هذه المناطق توفر نسبة كبيرة من احتياجات الأسواق من الخضروات والمحاصيل النقدية، وأي اضطراب في إنتاجها ينعكس سريعاً على الأسعار وتوفر الغذاء.
انخفاض درجات الحرارة إلى مستويات خطرة ليلاً، بالتوازي مع شح المياه، يضع المزارع اليمني أمام معادلة خاسرة.
فمن جهة، تفرض موجة الصقيع تكاليف إضافية لحماية المحاصيل الحساسة عبر وسائل بدائية غالباً ما تكون غير فعالة، ومن جهة أخرى، يؤدي الجفاف إلى زيادة الاعتماد على الري التكميلي، بما يحمله ذلك من أعباء مالية متزايدة في ظل ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة الوصول إلى مصادر الطاقة.
هذا الضغط المزدوج يهدد بتآكل الهوامش الربحية المحدودة أصلاً، خصوصاً لدى صغار المزارعين، ويدفع بالكثير منهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو المخاطرة بخسائر مباشرة قد تمتد آثارها إلى مواسم لاحقة.
صدمة مناخية في اقتصاد هش
لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن الواقع الاقتصادي العام في اليمن، حيث يعاني البلد من هشاشة شديدة في منظومة الأمن الغذائي وارتفاع معدلات الفقر.
في مثل هذا السياق، تتحول الصدمات المناخية – حتى وإن كانت قصيرة الأمد – إلى محفزات قوية لعدم الاستقرار السعري في الأسواق.
من المتوقع أن يؤدي تضرر المحاصيل خلال هذه الفترة إلى انكماش مؤقت في المعروض من المنتجات الزراعية الطازجة، وهو ما يخلق فجوة بين العرض والطلب، تُترجم سريعاً إلى ارتفاعات سعرية يتحمل عبئها المستهلك النهائي، الذي يخصص بالفعل الجزء الأكبر من دخله للغذاء.
المحاصيل النقدية في مرمى الخطر
تشكل موجة الصقيع تهديداً مباشراً للمحاصيل النقدية ذات الأهمية الاقتصادية، وعلى رأسها البن والقات، خصوصاً في المناطق الجبلية المرتفعة.
هذه المحاصيل تمثل أصولاً رأسمالية للمزارعين، وأي تلف يصيب البراعم أو الأوراق نتيجة البرودة الشديدة قد يعني خسارة موسم كامل أو تراجعاً حاداً في الجودة.
وتكتسب هذه الخسائر بعداً أوسع عندما يتعلق الأمر بمحصول القات، الذي يلعب دوراً محورياً في تحريك السيولة اليومية داخل الاقتصاد المحلي.
أي تراجع في الإنتاج غالباً ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ما يسحب سيولة إضافية من إنفاق الأسر ويؤثر بشكل غير مباشر على الطلب على السلع الأساسية الأخرى.
الخضروات.. الحلقة الأضعف
يبدو قطاع الخضروات والفواكه الأكثر هشاشة أمام موجات “الضريب”، نظراً لضعف قدرته على تحمل الانخفاض الحاد في درجات الحرارة.
التجارب السابقة تشير إلى أن موجات الصقيع في الشتاء تتسبب بإتلاف مساحات واسعة من الطماطم والبطاطس، لا سيما في قيعان ذمار وصنعاء.
هذا التلف المفاجئ غالباً ما يؤدي إلى قفزات سعرية حادة في الأسواق الحضرية، قد تصل إلى 100% خلال أيام قليلة. ومع حقيقة أن الأسر اليمنية تنفق أكثر من 70% من دخلها على الغذاء، فإن هذه الارتفاعات تضيف عبئاً جديداً يعمّق مستويات انعدام الأمن الغذائي ويزيد من هشاشة القدرة الشرائية.
ولا يتوقف الأثر عند حدود الخسارة المباشرة، بل يمتد إلى اضطراب الرزنامة الزراعية، حيث يضطر المزارعون إلى تأخير مواعيد البذر والشتل خوفاً من الصقيع، ما يؤدي لاحقاً إلى فجوات في التوريد وتأخر وصول المحاصيل إلى الأسواق.
كلفة المياه والطاقة.. عبء إضافي على الإنتاج
الجفاف المتوقع وارتفاع معدلات تبخر الرطوبة من التربة يفرضان واقعاً إنتاجياً أكثر كلفة، يتمثل في الاعتماد شبه الكامل على الري الاصطناعي. وفي اليمن، يرتبط الوصول إلى المياه بشكل مباشر بتكاليف الطاقة، سواء عبر الديزل أو أنظمة الطاقة الشمسية.
زيادة ساعات تشغيل المضخات تعني ارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف الإنتاج، في وقت يعاني فيه المزارعون من تقلب أسعار الوقود وصعوبة صيانة المعدات. هذه التكاليف الإضافية إما تُحمَّل على المستهلك النهائي في شكل أسعار أعلى، أو يتحملها المزارع كخسارة، ما يهدد بخروجه من دائرة الإنتاج.
كما أن التنافس على الموارد المائية خلال فترات الجفاف يؤدي إلى استنزاف متسارع للأحواض الجوفية، خصوصاً بالنسبة للآبار السطحية الضحلة، ما يضطر بعض المزارعين إلى شراء المياه عبر الصهاريج بأسعار مرتفعة، غالباً دون جدوى اقتصادية حقيقية.
الثروة الحيوانية.. استنزاف الادخار الريفي
تمثل الثروة الحيوانية في الريف اليمني مخزوناً ادخارياً للأسر، يتم اللجوء إليه في أوقات الأزمات. إلا أن موجة البرد والجفاف تهدد هذا المخزون بشكل مباشر، من خلال تدهور المراعي الطبيعية ونقص الأعلاف المجانية.
هذا الوضع يجبر المربين على شراء الأعلاف التجارية بأسعار مرتفعة، ما يرفع تكلفة تربية الماشية إلى مستويات قد تتجاوز قيمتها السوقية. كما يؤدي الإجهاد الناتج عن البرد إلى نفوق المواليد الصغيرة وتراجع إنتاجية الحليب واللحوم، ما يمثل تآكلاً حقيقياً في رأس المال الحيواني.
وفي كثير من الحالات، يلجأ المربون إلى البيع الاضطراري لأصولهم بأسعار متدنية لتغطية النفقات، وهو ما يفاقم الفقر الريفي ويقوض القدرة على التعافي في المواسم اللاحقة.
تداعيات اجتماعية واقتصادية أوسع
يمتد أثر هذه الأزمة المناخية إلى ما هو أبعد من الزراعة، ليشمل أنماط الهجرة الداخلية.
فعندما تصبح كلفة البقاء في الريف أعلى من العائد، يضطر العديد من السكان إلى النزوح نحو أطراف المدن بحثاً عن مصادر دخل بديلة، ما يزيد الضغط على الخدمات والبنية التحتية الحضرية.
وعليه، فإن التحذيرات المناخية الحالية لا تعكس فقط حالة طقس استثنائية، بل تشير إلى اختلالات أعمق في قدرة الاقتصاد الريفي على الصمود أمام التغيرات المناخية المتكررة.
الحاجة إلى تحول استراتيجي
يكشف شتاء 2026 عن حقيقة اقتصادية واضحة: الزراعة اليمنية تعمل دون مصدات فعالة للصدمات.
فالصقيع والجفاف لم يعودا ظواهر استثنائية، بل أصبحا عوامل مؤثرة في تحديد مستويات الفقر والجوع.
وفي ظل غياب بنية تحتية متطورة للحماية الزراعية، مثل البيوت المحمية المدعومة وشبكات الري الحديثة، يبقى المزارع مكشوفاً بالكامل أمام تقلبات المناخ.
كما أن التوصيات التقليدية، رغم أهميتها، تصطدم بواقع العجز المالي وغياب أدوات التأمين الزراعي.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى الانتقال من سياسات الاستجابة بعد وقوع الكارثة، إلى استراتيجيات التمويل الاستباقي والتأمين المناخي، ودعم مدخلات الإنتاج خلال فترات الشتاء القاسية.
دون ذلك، ستظل الزراعة اليمنية تدور في حلقة استنزاف ذاتي، تتوسع معها الفجوة الغذائية ويزداد الاعتماد على الاستيراد، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من محدودية الموارد وضعف القدرة على امتصاص الصدمات.