شبه الجزيرة نت | تقارير محلية
شهد جنوب اليمن، خلال الفترة الممتدة من ليلة 6 يناير وحتى 7 يناير 2026، تصعيداً غير مسبوق في حدة التوترات العسكرية والسياسية بين القوات المدعومة من المملكة العربية السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من دولة الإمارات.
جاء هذا التصعيد في سياق خلافات متراكمة منذ تدخل التحالف العربي في اليمن عام 2015، والتي لم تُحسم سياسياً رغم سنوات من التفاهمات الهشة.
ويتمحور الخلاف الجوهري حول مستقبل الجنوب اليمني، إذ يطالب المجلس الانتقالي بمسار سياسي يقود إلى الانفصال، في حين تؤكد السعودية تمسكها بدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والحفاظ على وحدة القرار السيادي.
وقد أعادت أحداث يناير 2026 هذا الخلاف إلى واجهة المشهد، لكن بصورة أكثر حدة وخطورة.
التطورات الأخيرة لم تقتصر على تحركات ميدانية محدودة، بل شملت قرارات عسكرية واسعة وتحولات سياسية لافتة، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين في الجنوب، وسط قلق إقليمي ودولي من انعكاسات هذا التصعيد على مسار الحرب الأوسع في اليمن.
خلفية التصعيد: من تحركات ديسمبر إلى انفجار يناير
بدأت ملامح التصعيد الحالي في أواخر ديسمبر 2025، عقب تحركات عسكرية نُسبت إلى قوات المجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة.
ووفق تقارير إعلامية، اعتُبرت هذه التحركات محاولة لفرض أمر واقع ميداني جديد في مناطق ذات حساسية استراتيجية واقتصادية.
غير أن هذه الخطوة قوبلت برد فعل مضاد من القوات المدعومة سعودياً، التي كثفت انتشارها وأعادت ترتيب مواقعها، ما أدى إلى انقلاب موازين القوة على الأرض خلال أيام قليلة.
ومع دخول يناير 2026، كانت الأرضية مهيأة لانفجار سريع للأحداث.
هذا السياق المتوتر شكّل الخلفية المباشرة للأحداث التي جرت خلال ليلة 6 يناير، والتي تحولت لاحقاً إلى واحدة من أكثر الليالي حساسية في مسار الصراع الجنوبي خلال السنوات الأخيرة.
ليلة 6 يناير 2026: رحلة لم تكتمل وتحركات عسكرية مفاجئة
في ساعات المساء من ليلة 6 يناير، كان من المقرر أن يتوجه عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى الرياض على متن رحلة تابعة للخطوط الجوية اليمنية، في إطار مساعٍ لعقد محادثات أزمة مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وقيادة التحالف السعودي.
إلا أن الرحلة تأخرت لأكثر من ثلاث ساعات، وخلال فترة الانتظار وردت معلومات استخباراتية إلى الحكومة الشرعية والتحالف تفيد بقيام الزبيدي بتعبئة قوات عسكرية كبيرة، شملت مدرعات ومركبات قتالية وأسلحة ثقيلة وخفيفة، وتحريكها من معسكري الحديد والصلبان باتجاه محافظة الضالع قرابة منتصف الليل.
غادرت الطائرة لاحقاً من دون الزبيدي، الذي اختفى عن الأنظار وتوجه إلى مكان غير معروف، في حين غادر أعضاء الوفد المرافق دون توضيحات رسمية حول أسباب تغيبه.
وأشارت تقارير متداولة إلى أن الزبيدي، قبل مغادرته، أشرف على توزيع أسلحة وذخائر داخل مدينة عدن، في خطوة فُسرت على أنها استعداد لاضطرابات أمنية محتملة.
فجر 7 يناير: ضربات جوية وتحذيرات رسمية
مع حلول فجر 7 يناير، نفذت القوات الجوية للتحالف بقيادة السعودية ضربات جوية محدودة وُصفت بأنها “وقائية”، استهدفت مواقع للقوات التي جرى تحريكها في محيط معسكر الزند بمحافظة الضالع.
وأسفرت هذه الضربات عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تضارب في الأرقام، إلا أن تقارير إعلامية تحدثت عن أربعة قتلى على الأقل وعشرات المصابين.
التحالف السعودي أوضح أن هذه الضربات جاءت بعد رصد تحركات عسكرية اعتُبرت تهديداً مباشراً للاستقرار، وهدفت إلى تعطيل أي تصعيد واسع قد يمتد إلى مناطق مدنية.
كما أكد المتحدث الرسمي باسم التحالف تركي المالكي أن العمليات نُفذت بتنسيق مع القوات الحكومية، داعياً المدنيين إلى الابتعاد عن المواقع والمعسكرات العسكرية حفاظاً على سلامتهم.
عدن والمحافظات المجاورة: إعادة انتشار وفرض حالة طوارئ
خلال ساعات صباح ومساء 7 يناير، شهدت مدينة عدن تطورات ميدانية متسارعة، مع تقدم قوات مدعومة من السعودية، من بينها قوات درع الوطن وألوية العمالقة.
وأُعلنت حالة الطوارئ وفرض حظر تجول جزئي في المدينة، في محاولة لاحتواء أي اشتباكات محتملة داخل الأحياء السكنية.
امتد هذا التقدم إلى محافظتي لحج والضالع، حيث سيطرت القوات المدعومة سعودياً على عدد من المواقع والمعسكرات.
وفي شبوة، دخلت قوات درع الوطن مدينة عتق، وسط ترحيب من بعض المجالس المحلية، في حين تحدثت تقارير عن تراجع نفوذ المجلس الانتقالي في عدة مناطق.
أما في حضرموت والمهرة، فقد عززت القوات السعودية وجودها في المكلا والغيضة، مع انسحاب قوات المجلس الانتقالي باتجاه شبوة، ما عزز الانطباع بحدوث تحول ميداني واسع في خريطة السيطرة جنوباً.
القرارات العسكرية: تثبيت السيطرة ومنع الانفجار
عسكرياً، نفذت قوات التحالف أكثر من 15 ضربة جوية خلال يوم 7 يناير استهدفت تجمعات وآليات تابعة للمجلس الانتقالي في الضالع، ما أدى إلى تدمير عدد من المواقع وإجبار القوات على التراجع.
بالتوازي، فرضت قوات درع الوطن سيطرة أمنية مشددة على عدن، مع تنسيق مباشر مع الأجهزة المحلية لتأمين المنشآت الحيوية وحماية المدنيين.
كما تقدمت القوات المدعومة سعودياً في شبوة، وسيطرت على معسكرات استراتيجية ومواقع قريبة من حقول نفطية، في رسالة واضحة حول أولوية تأمين الموارد والبنية التحتية.
التحالف شدد، في بيانات رسمية، على دعمه الكامل للحكومة اليمنية في مواجهة أي تحركات عسكرية تهدد المدن أو السكان، داعياً المواطنين إلى التعاون والإبلاغ عن أي نشاطات مشبوهة.
القرارات السياسية: تصعيد قانوني ورسائل متبادلة
سياسياً، أصدر مجلس القيادة الرئاسي قراراً بإسقاط عضوية عيدروس الزبيدي وإحالته إلى النائب العام بتهمة “الخيانة العظمى”، في خطوة اعتُبرت من أكثر القرارات حدة منذ تشكيل المجلس.
هذا القرار أعاد ترتيب مراكز النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وفتح الباب أمام مرحلة سياسية أكثر توتراً.
في المقابل، أعلن المجلس الانتقالي قبوله المبدئي بالحوار، لكنه وجه اتهامات مباشرة للسعودية بـ”الخيانة” على خلفية الضربات الجوية.
في حين أكدت الرياض دعمها لعقد مؤتمر جنوبي شامل لمناقشة قضية الجنوب، مشددة على أن المشاركة السياسية يجب أن تكون ضمن إطار الدولة اليمنية ومؤسساتها.
التداعيات الإقليمية والدولية
التصعيد في الجنوب لم يبقَ محصوراً في الإطار المحلي، إذ أثار مخاوف من تعميق الخلاف بين السعودية والإمارات، وهما ركيزتان أساسيتان في التحالف الداعم للحكومة اليمنية.
هذا الانقسام المحتمل يثير تساؤلات حول مستقبل الجهود المشتركة في مواجهة الحوثيين.
أما دولياً، فقد تزامنت الأحداث مع تحركات دبلوماسية لافتة في المنطقة، ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن ما يجري في جنوب اليمن قد تكون له تداعيات أوسع على أمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الإقليمية.
كما يُتوقع أن يحظى الملف اليمني باهتمام خاص في جلسات مجلس الأمن الدولي خلال يناير 2026.
مشهد مفتوح على احتمالات متعددة
تكشف أحداث 6 و7 يناير 2026 عن مرحلة جديدة من الصراع في جنوب اليمن، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع القرارات السياسية الحادة.
وبينما نجحت القوات المدعومة سعودياً في فرض واقع ميداني جديد خلال أيام قليلة، لا تزال جذور الأزمة السياسية دون حل.
الجنوب اليمني يقف اليوم أمام مفترق طرق، إما باتجاه تسوية سياسية تعيد ضبط العلاقة بين الأطراف، أو نحو تصعيد أطول أمداً قد يعيد إنتاج دوامات عدم الاستقرار.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى مستقبل الجنوب مرهوناً بقدرة الفاعلين المحليين والإقليميين على تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.