هل باتت أسوار العزلة تضيق على الكيان في ميادين العلم والمعرفة؟ تتصاعد المخاوف داخل الأوساط الأكاديمية للكيان من تزايد حالات المقاطعة الأكاديمية للكيان، خصوصًا ضمن برامج التعاون العلمي الأوروبية الكبرى، في ظل تداعيات الحرب على غزة التي حولت “المقاطعة الصامتة” إلى حراك علني ومباشر يهدد مكانة جامعاته البحثية واستثماراته المعرفية.
تزايد العزلة الأكاديمية وتأثيرها المالي
تُظهر تقارير حديثة، اطلع عليها “بقش” ونُشرت في صحيفة كالكاليست الاقتصادية الإسرائيلية، ارتفاعًا مقلقًا في حالات المقاطعة المرتبطة ببرنامج “هورايزون” التابع للاتحاد الأوروبي. فقد زادت هذه الحالات بنسبة 150% مقارنة بالفترة السابقة، في تحول وصفته الصحيفة بأنه انتقال من المقاطعة غير المعلنة إلى المقاطعة العلنية والمباشرة، لا سيما داخل جامعات ومؤسسات أوروبا الغربية.
يُعد برنامج “هورايزون” أحد أضخم برامج البحث العلمي والتطوير عالمياً، بميزانية ضخمة تبلغ نحو 95.5 مليار يورو موزعة على سبع سنوات. يتيح هذا البرنامج للباحثين من الكيان المنافسة على منح ومشاريع بحثية على قدم المساواة مع نظرائهم الأوروبيين. وتصف الأوساط الأكاديمية في الكيان احتمال تعليق مشاركتها في البرنامج بأنه يشبه استبعاد الرياضة الإسرائيلية من الألعاب الأولمبية، نظراً لأهميته العلمية وتأثيراته الاقتصادية المحتملة على قطاع البحث والتطوير.
تشير الأرقام إلى أن حالات المقاطعة الأكاديمية المبلغ عنها ارتفعت من حوالي ألف حالة منذ بداية الحرب على غزة إلى 1120 حالة حالياً، بزيادة قدرها 12%. لكن القلق الأكبر يتركز في تصاعد المقاطعات المرتبطة مباشرة ببرنامج “هورايزون” نفسه، والتي قفزت من 20 حالة إلى 50 حالة خلال أشهر قليلة، مما يعكس تصعيداً نوعياً في الضغط على المؤسسات الأكاديمية للكيان. هذه الأرقام، كما نقلت صحيفة كالكاليست، تدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل التعاون العلمي الدولي للكيان.
جغرافيا المقاطعة وتغير طبيعتها
يوضح التقرير أن معظم حالات المقاطعة تركزت في دول أوروبا الغربية. جاءت بلجيكا في الصدارة، تلتها هولندا ثم إنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، مما يشير إلى أن المناخ السياسي الداخلي في هذه الدول، إلى جانب الجدل المتواصل حول الحرب في غزة، يلعب دوراً محورياً في هذا التصعيد. تشمل هذه الحالات رفض باحثين أو جامعات أوروبية المشاركة في مشاريع مشتركة مع الأكاديميين من الكيان، أو انسحاب شركاء أجانب بعد تقديم المقترحات، إضافة إلى مطالبة بعض الجهات باستبعادهم بشكل صريح.
لم تعد المقاطعات الأكاديمية تمارس بصورة غير معلنة كما في السابق؛ فقد أصبحت أكثر وضوحاً وجرأة. وفقاً للمعطيات الواردة، فإن نحو 40% من حالات المقاطعة المسجلة خلال عام 2025 كانت “صريحة ومعلنة”، بعد أن كان الباحثون في الكيان يشتكون من الرفض دون القدرة على إثبات وجود دوافع سياسية. كما أشار التقرير إلى أن التقديرات السابقة، التي كانت تفترض أن أي وقف لإطلاق النار في غزة قد يخفف من حملات المقاطعة، لم تعد قائمة، معتبراً أن الجهات الداعمة للمقاطعة “تتكيف مع المتغيرات السياسية”.
يربط التقرير أيضاً بين تصاعد المناخ المعادي للكيان في أوروبا وبين التوترات الإقليمية مع لبنان وإيران، إلى جانب التحفظات الأوروبية المتزايدة تجاه سياسات إدارة ترامب الداعمة بقوة للكيان. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة أكثر صعوبة للكيان في سعيه للحفاظ على موطئ قدم في برامج مثل برنامج هورايزون الأوروبي.
التداعيات الاستراتيجية والاقتصادية للمقاطعة
إن تزايد المقاطعة الأكاديمية للكيان يحمل في طياته تداعيات تتجاوز مجرد الحرمان من منح بحثية. على الصعيد الاقتصادي، قد تؤثر هذه العزلة على قدرة الكيان على جذب الاستثمارات في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والبحث والتطوير، مما قد ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي العام. ففقدان فرص الشراكة في مشاريع الابتكار الكبرى يعني خسارة للخبرات وفرص الوصول إلى الأسواق العالمية الجديدة، مما يؤثر على تجارة المعرفة والتقنيات.
سياسياً، تساهم هذه العزلة الأكاديمية في تآكل ما يسمى بـ”القوة الناعمة” للكيان، وتضعف شرعيته الدولية، خاصة مع ربط الاتحاد الأوروبي استمرار مشاركة الكيان في برنامج “هورايزون” بوجود “قيم مشتركة” بين الجانبين، وهي نقطة خلافية تزداد عمقاً مع استمرار العدوان على غزة. اجتماعياً، يمكن أن تؤدي هذه الظاهرة إلى إحباط في الأوساط العلمية، وربما تدفع الكفاءات للبحث عن فرص خارج الكيان، مما يهدد بتدفق العقول.
إن تصاعد المقاطعة الأكاديمية للكيان ليس مجرد إحصائيات على ورق، بل يعكس تحولاً عميقاً في النظرة الدولية تجاه سياسات الاحتلال، ويهدد بفرض عزلة استراتيجية قد تتجاوز الأوساط العلمية لتطال مجالات أوسع. يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة الكيان على التكيف مع هذا الواقع الجديد، وما إذا كانت هذه التداعيات ستدفعه لإعادة تقييم مساره في ظل استمرار الضغوط المتزايدة، أم أنه سيزداد تمسكًا بسياساته التي تزيد من عزلة موقعه على الساحة الدولية.



