في مشهد يعكس عمق المعاناة الإنسانية، تحولت شوارع مدينة عدن الساحلية إلى ملاذ لمئات المواطنين الفارين من حر منازلهم الخانق، في ظل تفاقم غير مسبوق لأزمة كهرباء عدن التي باتت تشكل كارثة معيشية حقيقية. ومع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، اضطر السكان لافتراش الأرصفة والساحات العامة بحثًا عن نسمة هواء، في تعبير صامت عن حجم السخط الشعبي على تدهور الخدمات الأساسية وفشل الوعود بمعالجتها.
تداعيات أزمة الكهرباء على حياة المواطنين والاقتصاد المحلي
لم تعد انقطاعات التيار الكهربائي في عدن مجرد إزعاج عابر، بل تحولت إلى كابوس يومي يهدد حياة الأسر، خاصة مع توقف أجهزة التبريد وارتفاع نسبة الرطوبة التي تحول المنازل إلى أفران حقيقية. هذا الواقع المرير دفع سكان مديريات عدة، مثل المعلا، إلى مغادرة بيوتهم ليلاً، حاملين فراشهم ووسائدهم للنوم في العراء، وهو مشهد صادم يعكس حجم التدهور الذي أصاب أحد أهم المرافق الحيوية في البلاد. تتأثر الأسر بشدة، ويواجه الأطفال وكبار السن والمرضى مخاطر صحية جمة، مما يزيد من الضغط على المنظومة الصحية الهشة. هذا الوضع يؤثر بشكل مباشر على اقتصاد المدينة، حيث تتوقف الأنشطة التجارية وتتراجع حركة الأسواق، مما يقلل من فرص العمل ويزيد من الفقر.
فشل دعم الوقود وتصاعد السخط الشعبي
تتزامن هذه الأزمة مع تصاعد التوتر بين المسؤولين المحليين والجانب السعودي الداعم للمجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية. ففي تطور لافت، غادر المندوب السعودي فلاح الشهراني مدينة عدن بعد مشادات كلامية حادة مع محافظ عدن عبدالرحمن شيخ، على خلفية تنصل الجانب السعودي من التزاماته لدعم الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء. ورغم إعلان السعودية في أواخر مايو الماضي عن منحة جديدة بقيمة 150 مليون دولار لتغطية وقود الكهرباء حتى نهاية عام 2026، إلا أن هذه المنحة تُعتبر غير كافية على الإطلاق، حيث تستهلك حكومة عدن ما يقارب 100 مليون دولار شهرياً على وقود النفط، وفقًا لبياناتها. هذا الفارق الكبير يوضح حجم المعضلة المالية التي تواجه قطاع الكهرباء، ويشير إلى أن المنحة قد لا تكون حلاً جذرياً بقدر ما هي محاولة لتخفيف الضغط الظاهري.
أبعاد اقتصادية وسياسية لأزمة عدن ومستقبل الاستقرار
المبيت في الشوارع ليس مجرد هروب من الحر، بل هو رسالة احتجاج صامتة ومباشرة للسلطات والجهات المعنية، مفادها أن الأزمة تجاوزت حدود الاحتمال. وقد شهدت عدن موجة من الاحتجاجات الأكثر تصعيداً، تمثلت في إغلاق شوارع رئيسية وقطع طرق حيوية، كاحتجاج على تدهور الخدمات وانقطاع التيار الكهربائي. تعكس هذه الاحتجاجات شعوراً متزايداً بأن أزمة كهرباء عدن باتت عنواناً لفشل أوسع في إدارة الخدمات الأساسية، وأن المدينة تعيش حالة من التدهور المستمر دون وجود معالجات جذرية. هذه الأوضاع تؤثر سلباً على الاستثمار المحتمل وتعيق أي جهود لإعادة إعمار المدينة، كما تترك تداعيات أمنية واجتماعية خطيرة، حيث تتزايد معدلات الجريمة وتتفكك الروابط الاجتماعية في ظل انعدام أبسط مقومات الحياة الكريمة. في المقابل، تبرز مناطق أخرى من اليمن، تحت إدارة حكومة صنعاء، بتعامل أكثر استقرارًا وفعالية مع تحديات الطاقة، مما يضع مقارنة واضحة في كفاءة الإدارة والقدرة على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
تتطلب هذه الأزمة معالجة شاملة تتجاوز الوعود المؤقتة، لضمان استقرار الخدمات الأساسية وتحسين الظروف المعيشية لسكان عدن. فالمشهد الكارثي لا يزال يتفاقم، مع استمرار غياب الحلول المستدامة، مما ينذر بمزيد من التدهور الاجتماعي والاقتصادي في المدينة. يبقى السؤال معلقًا حول مدى قدرة المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية على تحقيق الاستقرار وتلبية احتياجات المواطنين الأساسية في ظل هذه التحديات المتزايدة.



