هل يمكن لميزانيات العملة الصعبة أن تتجاهل صرخات الانهيار الاقتصادي المتفاقم؟ هذا هو السؤال الذي يلوح في الأفق مع استمرار الإنفاق الحكومي بعدن بمبالغ طائلة لصالح مسؤولين رفيعي المستوى، في وقت تعيش فيه مناطق سيطرة المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية أزمة معيشية خانقة وتآكلاً مستمرًا في قيمة العملة المحلية. تثير هذه الممارسات تساؤلات عميقة حول أولويات الإنفاق والشفافية المالية في ظل تحديات اقتصادية غير مسبوقة.
تفاصيل الإنفاق الباهظ في زمن الشح
كشفت تقارير حديثة، نقلاً عن مصادر حكومية يمنية لمنصة الهدهد، عن استمرار المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية في صرف مخصصات مالية شهرية كبيرة بالعملة السعودية. هذه المخصصات موجهة تحديداً لرئيس هيئة التشاور والمصالحة، محمد الغيثي. ووفقًا للمعلومات، يصرف شهرياً مبلغ مليون و200 ألف ريال سعودي كموازنة تشغيلية لهذه الهيئة التي أُنشئت عقب مشاورات الرياض عام 2022. وقد بلغت آخر دفعة جرى تسليمها قبل نحو أسبوعين مليون ريال سعودي كجزء من هذه المخصصات المقررة.
لا يقتصر الأمر على الموازنات التشغيلية، فالمصادر ذاتها أشارت إلى أن محمد الغيثي يتقاضى راتباً شهرياً يبلغ 15 مليون ريال يمني نظير رئاسته للهيئة. هذا الإنفاق الضخم يأتي في ظل غياب أي توضيحات رسمية حول أوجه صرف هذه المخصصات المالية أو تفاصيل الميزانية التشغيلية للهيئة، مما يثير الكثير من الشكوك حول آليات الرقابة على الأموال العامة. كما ذكرت المنصة أن الغيثي كان قد سحب مبلغ 900 مليون ريال يمني من الحساب البنكي الخاص بالهيئة قبل مغادرته عدن إلى الرياض، وهي خطوة زادت من التساؤلات حول قانونية هذه الإجراءات.
تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة
إن استمرار الإنفاق الحكومي بعدن على هذا النحو، خاصة بالعملات الأجنبية، يتزامن مع تفاقم الأزمة الاقتصادية الحادة التي تضرب المحافظات الخاضعة لسيطرة المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية. يعاني السكان من انهيار متواصل في العملة المحلية وتآكل في القدرة الشرائية، بالإضافة إلى تأخر صرف الرواتب الذي يضغط على الأسر بشكل كبير. وتعد أزمة السيولة النقدية خانقة، حيث فرضت البنوك ومحلات الصرافة قيوداً على السحب النقدي، مما يعكس الفجوة المتزايدة بين الكتلة النقدية المتداولة والاحتياطات الفعلية من العملات الأجنبية.
هذا النمط من الإنفاق يساهم بشكل مباشر في زيادة الضغوط على سوق الصرف ويزيد من صعوبة توفير النقد الأجنبي لتمويل الالتزامات الأساسية، كاستيراد السلع الغذائية والوقود. وقد تفاقمت الأزمة المعيشية خلال الأشهر الأخيرة مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية والوقود، وتدهور خدمات الكهرباء بشكل غير مسبوق. إن ضخ مبالغ ضخمة خارج الدورة الاقتصادية المحلية يضعف من قدرة الاقتصاد على التعافي ويؤثر سلباً على التجارة والاستثمار، مما يهدد بتعميق الأزمة الإنسانية والمعيشية، وهو ما يحذر منه اقتصاديون بارزون. يمكن قراءة المزيد عن تأثيرات السيولة على الأسواق العالمية في هذا التقرير الصادر عن صندوق النقد الدولي.
تساؤلات حول الشفافية والمساءلة
في الوقت الذي تقر فيه الجهات التابعة للمجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية بحجم التحديات الاقتصادية والمالية، تبدو الممارسات الحالية للإنفاق غير المتوازن على النقيض تماماً من هذه الإقرارات. يرى مراقبون أن غياب الشفافية المالية والرقابة الفعالة على الأموال العامة يعكس حجم الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها مؤسسات الدولة في تلك المناطق. هذا الوضع لا يقتصر تأثيره على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل الجانب الاجتماعي والأمني، حيث يمكن أن يؤدي إلى تزايد الاستياء الشعبي وتراجع الثقة في المؤسسات.
إن استمرار الإنفاق غير المنضبط وغياب المساءلة يخلق بيئة خصبة للمخاطر المالية ويهدد مستقبل الاستقرار. فبينما تتصاعد أصوات التحذير من مغبة هذا النهج، تستمر المخصصات المالية في الصرف دون إيضاحات كافية، مما يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول من المستفيد الحقيقي من هذه الميزانيات الضخمة، ومن يدفع الثمن في نهاية المطاف. هذه التساؤلات تبقى معلقة، بانتظار إجابات قد تحدد مسار الاقتصاد اليمني ومستقبل ملايين المواطنين.



