في مشهد يعكس وطأة الأزمة المعيشية المستفحلة، تتصاعد حدة الغضب والامتعاض بين صفوف العسكريين في المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية، وذلك على خلفية استمرار تأخير رواتب العسكريين لأربعة أشهر متتالية. هذا التأخير، الذي يلقي بظلاله الثقيلة على آلاف الأسر، يتزامن مع قرارات اقتصادية وصفت بالجائرة، شملت رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة تجاوزت 100% وارتفاعات متتالية في أسعار الوقود، ما ينذر بتداعيات اجتماعية وأمنية خطيرة تزيد من تعقيد المشهد اليمني.
معاناة العسكريين وتآكل القيمة الشرائية للرواتب
يواجه منتسبو الجيش في هذه المناطق واقعاً قاسياً، حيث لم يتسلموا رواتبهم منذ ما يقارب أربعة أشهر، تضاف إلى مستحقات سابقة متأخرة تراكمت عبر فترات طويلة. هذا الانقطاع المتواصل عن الدخل الأساسي، تزامن مع تآكل غير مسبوق في القوة الشرائية للرواتب المحدودة أصلاً. إن استمرار تأخير رواتب العسكريين يضعهم في مأزق حقيقي، فوفقاً لشهادات عديدة، لم يعد راتب الستين ألف ريال يمنياً يكفي لشراء الاحتياجات الأساسية لأسرة متوسطة، مثل كيس الأرز وعبوة الزيت، ما يضع العسكريين وعائلاتهم تحت خط الفقر المدقع.
تتعمق مرارة الوضع بفعل التمييز في صرف ما يسمى بـ “إكرامية الألف السعودي”، التي وُزعت على بعض المناطق العسكرية دون غيرها. يرى كثيرون في هذا التوزيع انتقائية واضحة تؤكد وجود فرز سياسي ومناطقي، وهو ما يهدد بتمزيق النسيج الموحد للمؤسسة العسكرية، ويثير تساؤلات حول حيادية الجيش ومستقبله في ظل هذه السياسات. هذا التمييز يفاقم حالة الإحباط ويغذي مشاعر الظلم بين الجنود الذين يخدمون في ظروف بالغة الصعوبة.
البطاقة الذكية: شرط مكلف ومخاوف أمنية
لم تكتفِ الأزمة بتأخير رواتب العسكريين وتدهور قيمتها، بل أضافت وزارة الدفاع التابعة للمجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية شرطاً جديداً مثيراً للجدل، وهو ربط صرف الرواتب بالحصول على البطاقة الشخصية الذكية. هذا القرار، الذي ألغى الاعتماد على البصمة والبطاقة العسكرية المعمول بهما سابقاً، أثار موجة غضب واسعة، خاصة وأن استخراج هذه البطاقة يكلف الجندي أو الضابط ما يعادل راتب شهر كامل تقريباً، أي نحو 60 ألف ريال يمني، في وقت يعيشون فيه دون أي دخل.
لا تتوقف الانتقادات عند البعد المالي فحسب، بل تمتد إلى المخاوف السياسية والأمنية. فقد اعتبر ناشطون، ومنهم الصحفي الاقتصادي ماجد الداعري، أن هذا المشروع يحمل أبعاداً “مؤدلجة وغير آمنة”، مشيرين إلى محاولات العبث بالهوية الوطنية والتلاعب بالانتماءات الديمغرافية والجغرافية لأهداف سياسية خطيرة. كما أثيرت مخاوف جدية تتعلق بحفظ البيانات الشخصية والسيادية في “سيرفرات بدولة مجاورة”، وهو ما قد يشكل مخالفة قانونية وأمنية جسيمة، ويهدد أمن المعلومات الوطنية [رابط خارجي: تقرير عن مخاطر تخزين البيانات].
الآثار الاقتصادية والسياسية لتأخر الرواتب
تأتي هذه التطورات في سياق أزمة مالية خانقة يواجهها المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية، نتيجة لتراجع الإيرادات وتوقف صادرات النفط، وهي المشكلة التي تبرر بها الحكومة قراراتها الأخيرة برفع سعر صرف الدولار الجمركي. هذا الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية وأسعار الوقود والخدمات، يزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين والعسكريين على حد سواء، ويهدد بتعميق الأزمة الإنسانية في البلاد.
إن استمرار تأخير رواتب العسكريين وعدم معالجة جذور الأزمة الاقتصادية يضعف من قدرة المجلس الرئاسي على بسط نفوذه وتأمين المناطق الخاضعة لسيطرته، ما قد يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار. هذه التحديات تؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة والشحن في الموانئ، وتقلل من فرص الاستثمار المستقبلي، مما يفاقم من تدهور الاقتصاد الكلي للبلاد [رابط داخلي: تحليل سابق حول تدهور الاقتصاد اليمني]. إن التداعيات لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد لتطال النسيج الاجتماعي وتماسك المؤسسات، محذرة من مستقبل غامض في ظل تفاقم الأوضاع.
في ظل هذا المشهد المعقد، حيث تتشابك خيوط الأزمة الاقتصادية مع المطالب المعيشية الملحة والتحذيرات الأمنية، تبقى الأوضاع في عدن والمناطق المحيطة بها على صفيح ساخن. فهل تتمكن القيادات من احتواء هذا الغضب المتصاعد، أم أن استمرار سياسات تأخير رواتب العسكريين والقرارات الاقتصادية القاسية سيدفع بالمنطقة نحو مزيد من التوتر والاضطراب، مما ينعكس سلباً على آمال السلام والاستقرار في اليمن؟



