في تاريخ الأمم، غالباً ما كانت قيمة العملة مرآة تعكس استقرار الدولة وقوتها الاقتصادية، لكن في مدينة عدن، يبدو أن هذه القاعدة قد انقلبت رأساً على عقب. فبينما يُعلن عن تحسن نظري في سعر صرف الريال اليمني، تظل القدرة الشرائية في عدن تتآكل باطراد، لتكشف عن فجوة عميقة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي القاسي الذي يواجهه السكان، مؤكدة أزمة اقتصادية مركبة تتجاوز مجرد تقلبات العملة.
تفاصيل الأزمة: وهم التعافي وتداعياته على الأسواق
شهدت مناطق سيطرة المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية في عدن، انهياراً متسارعاً للريال اليمني على مدى أشهر، حيث وصل إلى مستويات غير مسبوقة بلغت 2,900 ريال يمني للدولار الواحد بحلول يوليو 2025. ورغم هذا التدهور، أُعلن عن تحسن لاحق، حيث تعافى الريال إلى 1,617 ريالاً للدولار في نهاية الشهر ذاته، ثم واصل التعافي بنسبة إضافية بلغت 3.65% بحلول فبراير 2026، ليستقر عند 1,558 للشراء و1,573 للبيع، في مسار تعافٍ إجمالي تجاوز 40%. هذا التحسن النظري جاء بالتزامن مع حزمة التمويل السعودي الأخيرة، التي بلغت 1.3 مليار ريال سعودي، إضافة إلى تشكيل حكومة جديدة، ما عزز من استقرار العملة على الورق.
لكن على أرض الواقع، لم ينعكس هذا التحسن المالي على أسعار السلع الأساسية أو على القدرة الشرائية للمواطنين. فوفقاً لمتابعات بقش [رابط خارجي لموقع بقش]، ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسبة تجاوزت 10% خلال أسبوعين فقط، مما أظهر فجوة واضحة بين المؤشرات النقدية والواقع المعيشي. وتكمن المشكلة الرئيسية في أن التجار في عدن يواصلون تسعير بضائعهم بناءً على سعر صرف غير مبرر يتراوح بين 650 و750 ريالاً يمنياً مقابل الريال السعودي الواحد، متجاهلين السعر الرسمي المستقر عند 410 ريالات لكل ريال سعودي. هذا يعني أن المواطن يدفع زيادة غير قانونية تصل إلى 70% من القيمة الحقيقية للسلعة، مما يضرب القدرة الشرائية في الصميم.
تبريرات رسمية وواقع مرير: لماذا لا تنعكس تحسينات الصرف؟
في محاولة لتبرير هذه الفجوة، أشار المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة، فارس النجار، في تصريحات صحفية، إلى أن الأسعار في اليمن لا تتحدد فقط بسعر الصرف. وأوضح أن منظومة معقدة من التكاليف، مثل تكاليف الشحن والتأمين والنقل والرسوم غير القانونية، تشكل “ضريبة مستترة” تضاف إلى السعر النهائي وتمنع انعكاس تحسن العملة على الأسعار. ورأى النجار أن تحسن سعر الصرف هو “شرط ضروري لكنه غير كافٍ” في ظل استمرار هذه التكاليف المرتفعة، وضعف المنافسة في الأسواق، وآلية “الدولار الجمركي” التي تمنح التجار هوامش ربح إضافية بتسعير بعض السلع بسعر أعلى من السوق.
من جانبهم، يبرر بعض التجار استمرار ارتفاع الأسعار بأن تكاليف الاستيراد لم تنخفض كما كان متوقعاً، نتيجة لارتفاع الرسوم الجمركية والضرائب وتكاليف النقل والشحن، مما يجعل خفض الأسعار أمراً صعباً دون تكبد خسائر. ويكشف هذا الوضع عن خلل بنيوي في السوق، حيث يعمد بعض الموردين إلى تسعير السلع بالريال السعودي لحجز أرباحهم بدلاً من خفض الأسعار، مستغلين غياب الرقابة الفعالة. وتُوجه أصابع الاتهام إلى وزارة الصناعة والتجارة ومكاتبها في المحافظات والسلطات المحلية بالفشل في تنفيذ حملات رقابية حقيقية، واكتفائها بدور المتفرج أمام فوضى الأسواق التي تلتهم ما تبقى من مدخرات المواطنين وتزيد من تدهور القدرة الشرائية.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لتدهور القدرة الشرائية
إن استمرار تدهور القدرة الشرائية في عدن له أبعاد اقتصادية واجتماعية وخيمة. اقتصادياً، يؤدي هذا التضخم المستمر إلى تآكل قيمة المدخرات، وتقليص حجم الاستهلاك، مما يضر بحركة التجارة الداخلية ويؤثر سلباً على نمو الاقتصاد الهش. كما أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين يرفع من فاتورة الاستيراد، مما يستنزف العملة الصعبة ويزيد من الضغوط على سعر الصرف. هذه الديناميكية تخلق حلقة مفرغة من ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة، مما يعيق أي جهود حقيقية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
على الصعيد الاجتماعي، فإن ارتفاع أسعار مستلزمات شهر رمضان المبارك وملابس العيد، والسلع الاستهلاكية الأخرى، يضع أعباءً لا تُطاق على كاهل الأسر اليمنية. فالموظفون يعانون من تأخر الرواتب ومحدوديتها، وعدم مواكبتها للغلاء المعيشي، مما يجعل تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. هذا الوضع يؤدي إلى اتساع دائرة الفقر، وتدهور مستويات المعيشة، وتهديد الأمن الغذائي لملايين اليمنيين. وبينما تتفاقم هذه التحديات، تبرز الحاجة الماسة إلى إصلاحات اقتصادية حقيقية تتجاوز الحلول السطحية، وتستهدف معالجة جذور المشكلة لضمان الحد الأدنى من الكرامة المعيشية للمواطنين. [رابط داخلي: تقرير عن الأزمة الاقتصادية اليمنية]
إن المشهد الاقتصادي في عدن، حيث تظل القدرة الشرائية للمواطنين تحت وطأة التضخم المستمر رغم التحسينات المعلنة في سعر الصرف، يعكس تحدياً بنيوياً عميقاً يواجه جهود الاستقرار. فغياب الرقابة الفعالة على الأسواق، واستمرار الممارسات التجارية غير الشفافة، وتعدد أسعار الصرف، كلها عوامل تساهم في تعميق الأزمة وتجعل حياة الناس أكثر صعوبة. السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى متى سيستمر هذا التناقض بين الأرقام والواقع، وما هي الخطوات الجريئة التي يجب اتخاذها لضمان أن تتحول المؤشرات الاقتصادية الإيجابية إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين اليومية؟

