في تحول اقتصادي وجيوسياسي لافت، بدأت الصين في تكثيف **الدعم الصيني للدول النامية**، مستغلةً التراجع الكبير في التمويل الأمريكي الخارجي الذي فرضته سياسة “أمريكا أولاً”. بينما تتخلى واشنطن عن دورها التاريخي كأكبر مانح للمساعدات الإنسانية عالميًا، تتقدم بكين ببراعة لملء هذا الفراغ، عبر استراتيجيات ذكية تعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي بتكلفة مادية أقل، مما يفتح آفاقاً جديدة للمتضررين ويعيد تشكيل ديناميكيات أسواق **الاقتصاد** العالمي.
تراجع واشنطن: فراغ استراتيجي يفتح الباب أمام بكين
شهدت السنوات الأخيرة تفكيكًا فعليًا للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وتخفيضات بعشرات المليارات من التمويل الخارجي، لتستبدل واشنطن المنح الإنسانية التقليدية بصفقات قائمة على تبادل المصالح. هذا التوجه، الذي رصدته متابعات “بقش”، دفع الولايات المتحدة إلى اشتراط الحصول على ميزات استراتيجية مقابل الدعم، مثل المطالبة بالوصول إلى بيانات صحية حساسة في غانا وزيمبابوي، أو التفاوض على **الاستثمار** في رواسب المعادن الحيوية مثل النحاس والكوبالت في زامبيا. أثارت هذه الشروط تحفظات قانونية وسيادية لدى الدول المستفيدة، وحرمتها من تمويلات حيوية كانت تعتمد عليها، تاركةً وراءها فراغًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيراً.
استراتيجية بكين: القوة الناعمة و«مشاريع صغيرة وجميلة»
التقطت بكين الفرصة لتعزيز حضورها السياسي عبر تقديم “منح صغيرة” حظيت بزخم إعلامي واسع، لتعويض نقص **المساعدات الأمريكية**. على سبيل المثال، قدمت الصين 3.5 ملايين دولار لجنوب أفريقيا لمكافحة الإيدز، مقابل تراجع المساعدات الأمريكية التي كانت تتجاوز 400 مليون دولار سنويًا. وشمل **الدعم الصيني للدول النامية** منحًا أخرى مثل 41.6 مليون دولار لتنزانيا لإنشاء مركز لقلب الأطفال، و4.4 ملايين دولار لكمبوديا لإزالة الألغام، إضافة إلى مساعدات غذائية عاجلة لزامبيا وزيمبابوي. ورغم أن أرقام الميزانيات تكشف فجوة هائلة بين 64 مليار دولار خصصتها الولايات المتحدة للمساعدات الخارجية غير العسكرية في 2024، مقابل 3.6 مليارات دولار فقط رصدتها الصين للمساعدات المباشرة، إلا أن بكين حققت نجاحًا دعائيًا كبيرًا في تقديم نفسها كبديل. وتكمن المفارقة في أن المساعدات الصينية لا تزال تركز على قروض التنمية والمشاريع المشروطة بالشركات والعمالة الصينية، مما يختلف عن المنح الغربية التقليدية المقدمة عبر المنظمات غير الحكومية، وفقًا لتقرير لوكالة بلومبيرغ اطلع عليه “بقش”.
تداعيات اقتصادية وجيوسياسية: إعادة تشكيل **أسواق** العالم
إن هذا التحول في خارطة المساعدات الدولية له تداعيات اقتصادية وجيوسياسية عميقة. فبينما تواجه **مبادرة الحزام والطريق** الصينية، التي ضخت أكثر من تريليون دولار في 150 دولة، تحديات متزايدة بسبب تعثر دول مثل لاوس وباكستان وسريلانكا في سداد ديونها، غيرت بكين نهجها نحو مشاريع “صغيرة وجميلة” أقل كلفة وأسرع عائدًا. هذا التعديل يهدف إلى استعادة الثقة وبناء الاحترام المتبادل، خاصة مع الدول المدينة لها بمليارات الدولارات مثل زامبيا. هذه المشاريع الصغيرة، التي تركز على البنية التحتية والخدمات الأساسية، يمكن أن تساهم في استقرار **أسعار** بعض السلع الأساسية وتسهيل **الشحن** و**التجارة**، مما ينعكس على **الأرباح** المحلية والدولية. إن التنافس على النفوذ الاقتصادي يفتح الباب أمام الدول النامية للحصول على خيارات تمويل أوسع، ولكنه يفرض عليها أيضًا تحديات في إدارة علاقاتها المتشعبة مع القوى الكبرى.
إن الدبلوماسية الدولية تعيش مرحلة مثيرة من تبادل الأدوار، حيث لم يعد دور المانحين مقتصرًا على تقديم المساعدات الإنسانية، بل تحول إلى أداة لتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي. وبينما تسعى الصين لترسيخ مكانتها كقوة عالمية رائدة عبر **الدعم الصيني للدول النامية** واستثماراتها، تظل التساؤلات مطروحة حول مدى استدامة هذه الاستراتيجيات وتأثيرها طويل الأمد على سيادة الدول المتلقية وقدرتها على تحقيق التنمية الذاتية بعيداً عن شروط القوى الكبرى.



