لطالما شكلت القرارات الاقتصادية في اليمن نقطة تحول مفصلية في حياة المواطنين، واليوم، يلوح في الأفق تحدٍ جديد مع قرار حكومة عدن رفع قيمة الدولار الجمركي في عدن بأكثر من 106%، وهي خطوة يخشى مراقبون أن تدفع البلاد نحو هوة أعمق من الانهيار الاقتصادي، وتفتح الأبواب على مصراعيها أمام “العصر الذهبي للتهريب”، بدلاً من تحقيق الإيرادات المرجوة.
تفاصيل القرار وتداعياته المباشرة على الأسعار
أقرت حكومة عدن زيادة حادة في سعر الدولار الجمركي، ليرتفع من 750 إلى 1,550 ريالاً يمنياً، مستهدفاً في الظاهر السلع غير الأساسية. لكن اقتصاديين يحذرون من أن القطاع الخاص لن يتحمل هذه الكلفة الإضافية وسينقلها مباشرة إلى أسعار جميع السلع والخدمات، حتى تلك المعفاة جمركياً، مما يهدد بحدوث “كارثة تجويع” تثقل كاهل المواطنين.
تزامن هذا القرار مع ضربات اقتصادية أخرى قيدت حركة قطاع الأعمال، حيث ارتفع سعر الديزل المستورد بنسبة 24.5% بعد ساعات قليلة من إقرار الزيادة الجمركية، ليصل سعر الصفيحة (20 لتراً) إلى 36,000 ريال بدلاً من 29,500 ريال. كما فرضت رسوم وضرائب جديدة على الديزل بلغت 200 ريال لكل لتر. هذه الإجراءات سترفع تكاليف النقل والشحن والإنتاج مباشرة، مما يؤثر على التجارة الداخلية والخارجية.
وفي محاولة لاحتواء السخط الشعبي، أقرت حكومة عدن صرف العلاوات السنوية المتأخرة ومنح بدل غلاء معيشة بنسبة 20%. غير أن أوساطاً واسعة حذرت من أن هذه الزيادة، التي لن تتجاوز 15 ألف ريال للفئات العليا والمتوسطة، لن تكون كافية لامتصاص التبعات المعيشية الناتجة عن مضاعفة الرسوم الجمركية.
سياق اقتصادي هش وتحذيرات دولية
تأتي هذه الخطوة في وقت يعيش فيه اليمن مرحلة حرجة تتسم بهشاشة مالية ومعيشية غير مسبوقة، وسط اضطرابات إقليمية رفعت تكاليف الشحن والطاقة والتأمين. يحذر البنك الدولي في تقرير حديث، اطلع عليه موقع “بقش”، من أن الاقتصاد اليمني يواصل الانكماش تحت ضغط الأزمات الداخلية والصدمات الخارجية. فقد انكمش الاقتصاد بنسبة 1.5% خلال عام 2025، مع توقعات باستمرار التراجع خلال 2026، في بيئة اقتصادية تعتمد بصورة شبه كاملة على الواردات والتحويلات والمساعدات الخارجية.
وأشار التقرير إلى تراجع الإيرادات العامة إلى 5.6% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة استمرار توقف صادرات النفط وتراجع المنح الخارجية. هذا الوضع ضيّق بصورة حادة قدرة حكومة عدن على تمويل الرواتب والدعم والخدمات الأساسية. يبدو أن حكومة عدن تتجه نحو تعويض جزء من هذا العجز عبر توسيع الجبايات ورفع الدولار الجمركي، متبنية “حلولاً جبائية” ضمن سياسة تقول إنها تستهدف تعزيز الموارد العامة والحفاظ على الاستقرار المالي. لكن اقتصاديين يرون أن هذه السياسة تُطبق في توقيت شديد الخطورة، حيث يعيش السوق المحلي حالة ركود حاد، بينما تتآكل القدرة الشرائية للسكان بصورة متسارعة بفعل التضخم والانهيار المعيشي. (تقرير البنك الدولي حول اليمن)
مخاطر التهريب وتأثيرها على الأسواق المحلية
الارتفاع الكبير في الرسوم الجمركية يفتح الباب أمام ظاهرة التهريب التي ستجد في هذا القرار بيئة خصبة للازدهار. عندما تكون تكلفة الاستيراد القانونية مرتفعة جداً، يصبح التهريب خياراً مغرياً للتجار غير الشرعيين، مما يؤدي إلى فقدان الدولة لإيرادات جمركية كبيرة كان يمكن تحصيلها. هذا لا يؤثر فقط على الإيرادات العامة، بل يشوه المنافسة في الأسواق المحلية، ويضر بالتجار الملتزمين بالقوانين، وقد يقود إلى انتشار سلع ذات جودة منخفضة أو غير خاضعة للرقابة الصحية.
إن توسع شبكات التهريب يمثل تحدياً أمنياً واقتصادياً كبيراً، حيث يمكن أن يرتبط بجرائم أخرى ويزعزع استقرار المناطق الحدودية. على المدى الطويل، فإن هذا التوجه نحو التهريب يقلل من فرص الاستثمار الشرعي ويزيد من حالة عدم اليقين في بيئة الأعمال، مما يعيق أي جهود حقيقية لإصلاح الاقتصاد اليمني.
إن قرار رفع الدولار الجمركي في عدن، وإن بدا حلاً سريعاً لتعزيز الإيرادات، يحمل في طياته بذور أزمة أعمق قد لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل الأمن والاستقرار الاجتماعي. فمع تزايد أعباء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، يجد المواطن اليمني نفسه أمام خيارات صعبة، بينما تتسع الفجوة بين تطلعات الإصلاح الاقتصادي والواقع المرير الذي يعيشه. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الإجراءات ستنجح في تحقيق أهدافها، أم أنها ستدفع اليمن نحو مزيد من التعقيدات والتحديات غير المتوقعة. (المزيد عن تحديات الاقتصاد اليمني)



