في وقت كانت فيه الآمال تُعلّق على قدرة العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران على تحقيق استقرار إقليمي سريع، تشير المعطيات الراهنة إلى واقع مغاير تمامًا. فبعد نحو خمسة أشهر من اندلاع هذه العمليات، يكشف استطلاع جديد لوكالة رويترز/إبسوس عن تزايد الاستياء الشعبي الأمريكي من تداعيات حرب إيران الاقتصادية والسياسية، مع مخاوف متصاعدة بشأن انعكاساتها على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.
تصاعد الاستياء الشعبي وتوقعات الاضطراب الإقليمي
لم يعد الرأي العام الأمريكي ينظر إلى العمليات العسكرية ضد إيران كعامل استقرار، بل على العكس تمامًا، يرى غالبية الأمريكيين أنها تزيد من اضطراب الشرق الأوسط. فوفقًا لنتائج الاستطلاع الذي اطلعت عليه “بقش”، يعتقد 50% من المشاركين أن هذه العمليات ستؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة خلال العام المقبل، مقابل 17% فقط يتوقعون تحقيق مزيد من الاستقرار. هذا التباين الصارخ يعكس تحولًا جذريًا في نظرة الأمريكيين لمسار الصراع وتأثيراته المحتملة على المشهد السياسي والأمني.
هذا الاتجاه العام يبرز أن احتمالات الفوضى في المنطقة تفوق توقعات الاستقرار بنحو ثلاثة أضعاف، في ظل استمرار العمليات دون أفق واضح للحسم. تزامن ذلك مع تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تهديداته بشن “هجمات هائلة” على إيران، مما أضاف طبقة من الضبابية حول مستقبل الصراع. هذه التطورات تضع تحديات كبيرة أمام الإدارة الأمريكية في تبرير استمرار هذه العمليات أمام شعب يشعر بالقلق المتزايد.
مضيق هرمز وتأثيراته على أسعار النفط العالمية
تُعد التداعيات الاقتصادية للحرب مصدر قلق بالغ للمواطن الأمريكي، لا سيما بعد تصاعد التوتر في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة النفط العالمية. يتوقع 58% من المشاركين في الاستطلاع استمرار ارتفاع أسعار البنزين أو تدهورها في الفترة المقبلة، بينما يتوقع 15% فقط تحسنًا، مما يعكس تزايد الضغوط على أسواق الطاقة والاقتصاد الأمريكي ككل.
إن أي اضطراب في مضيق هرمز أو مضيق باب المندب، حيث أعلنت حكومة صنعاء (أنصار الله) عن تحذيراتها للسفن المتجهة نحو الكيان، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط العالمية، مما ينعكس مباشرة على تكاليف الشحن والتجارة الدولية. هذه المخاوف الاقتصادية ليست مجرد أرقام على الورق، بل تترجم إلى أعباء مالية حقيقية على المستهلكين والشركات، وتؤثر سلبًا على الاستثمار والثقة في الأسواق العالمية.
تجاوزت تداعيات هذه العمليات المواجهة المباشرة، لتشمل هجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت دولًا مجاورة وسفنًا تجارية، كما ساهمت في إشعال جولة قتال في لبنان قبل التوصل إلى هدنة. هذه الأحداث تبرز تعقيد المشهد الأمني الإقليمي وتأثيره المباشر على الاقتصاد العالمي، لا سيما في قطاع الطاقة والشحن البحري.
الكلفة البشرية والمالية: أرقام صادمة وتحديات استراتيجية
تتفاقم الكلفة المباشرة للعمليات العسكرية على دافعي الضرائب الأمريكيين، حيث بلغت ما لا يقل عن 37.5 مليار دولار منذ انطلاقها في 28 فبراير 2026، حسب قراءة “بقش” للتقرير. هذه الأرقام الضخمة تضاف إلى الخسائر البشرية التي شملت مقتل 18 جنديًا أمريكيًا وآلاف الإيرانيين، في ظل استمرار العمليات دون نهاية واضحة. هذه التكاليف الباهظة تثير تساؤلات حول جدوى هذه العمليات وأهدافها الاستراتيجية.
من جهته، رأى ديفيد شينكر، المسؤول الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأوسط، أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية وشبكة حلفائها. لكن الباحث جاستن لوجان، مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو، يشير إلى أن الحرب أصبحت أقل شعبية، وأن إدارة ترامب تواجه صعوبة في تحقيق أهدافها المعلنة، مثل تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية أو منعها من امتلاك سلاح نووي، مع تقليل الخسائر البشرية والسياسية في آن واحد. هذا التضارب في التقييمات يعكس تعقيد الوضع وعدم وجود إجابات سهلة.
إن استمرار العمليات العسكرية وتزايد تداعيات حرب إيران الاقتصادية والبشرية يلقي بظلاله على المشهد السياسي الأمريكي، ويضع الإدارة الحالية أمام تحديات كبيرة في كسب التأييد الشعبي أو حتى الحفاظ عليه. فمع تزايد القلق من ارتفاع أسعار الطاقة وتدهور الأوضاع الأمنية، يصبح البحث عن حلول دبلوماسية أكثر إلحاحًا، لإنهاء هذا الصراع الذي لا تزال كلفته تتصاعد على جميع الأصعدة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الاستقرار المستقبلي في المنطقة وتأثيره على الاقتصاد العالمي ككل.



