هل فات الأوان على الشركات التي راهنت على جودة النماذج في سباق الذكاء الاصطناعي للمؤسسات؟ يؤكد يواف نافيه، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Reindeer، أن المعركة الحقيقية لم تعد تُحسم بجودة النموذج فحسب، بل بالقدرة على دمج هذه الحلول بفعالية في صميم العمليات التشغيلية، وهو تحول يعيد ترتيب أولويات شركات التكنولوجيا والاستثمار في قطاع حيوي كالشحن وسلاسل الإمداد.
موجات الذكاء الاصطناعي: من المساعدين إلى العمليات الجوهرية
يكشف نافيه أن الصناعة قد مرت بموجتين من تبني الذكاء الاصطناعي دون تحقيق العوائد المتوقعة من قبل المديرين التنفيذيين، وهي الآن تسعى جاهدة للموجة الثالثة. الموجة الأولى، التي ركزت على المساعدين الرقميين مثل كوبايلوت وChatGPT، شهدت نجاحًا ملحوظًا في مجالات مثل هندسة البرمجيات، حيث أثبتت كفاءتها في تسريع عمليات الترميز. ومع ذلك، لم تحقق هذه المساعدات زيادة كبيرة في كفاءة الشركات بمعدل 10 أو 100 ضعف كما كان متوقعًا.
أما الموجة الثانية، فقد استهدفت مراكز الاتصال ودعم العملاء، ووصفها نافيه بأنها كانت بمثابة “فاكهة سهلة القطاف”. لقد حققت بعض النجاح في تبسيط مهام خدمة العملاء المتكررة. لكن التحدي الأكبر يكمن في الموجة الثالثة، التي تستهدف العمليات الأساسية للشركات، والتي تمثل ما بين 70% إلى 80% من تكلفة العمالة. هذه العمليات، التي تشمل المالية والمشتريات والخزانة والمحاسبة وسلاسل الإمداد، هي أكثر تعقيدًا وتنوعًا، وتفتقر غالبًا إلى مالك قسم واحد ينسقها، مما يجعلها سوقًا أكثر فوضوية وتتطلب استثمارًا تقنيًا مدروسًا لتحقيق كفاءة الأعمال.
تحدي التفرد: لماذا لا تنجح الحلول الجاهزة؟
يقدم نافيه رؤية واضحة حول السبب وراء مقاومة هذا السوق للحلول الجاهزة التي تناسب الجميع. يوضح أن العمليات الداخلية تختلف بشكل كبير حتى داخل الشركة الواحدة. فمثلاً، شركة عالمية كبرى للسلع الاستهلاكية قد يكون لديها خمسة أقسام مختلفة، ولكل منها عمليات دفع فواتير خاصة بها تختلف عن الأقسام الأخرى. هذا التجزئة يجعل من الصعب تطبيق حل برمجي واحد على جميع العمليات.
لذلك، يبدي نافيه تشككًا في نموذج “المهندس الميداني” الذي يكتسب زخمًا في عالم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث يتم إرسال فرق هندسية لإنشاء وكيل مخصص لعملية واحدة فقط. يتساءل نافيه عن مدى قابلية هذا النموذج للتوسع، وهل سيبقى المهندسون متاحين للانتقال إلى أقسام أخرى أم سيظلون عالقين في صيانة ما بنوه مع تغير العمليات وتطورها. “لا أعتقد أن الحسابات منطقية لأنها لا تتوسع”، يقول نافيه، مشيرًا إلى أن هذا النهج يرفع تكاليف التشغيل ويقلل من هوامش الأرباح المتوقعة من استثمارات الذكاء الاصطناعي.
النموذج سلعة: الرهان الجديد في سوق وكلاء الذكاء الاصطناعي
تراهن شركة Reindeer على عكس الافتراض الشائع في دوائر برمجيات المؤسسات، وهو أن امتلاك أو صقل نموذج لغة كبير خاص يمثل ميزة تنافسية مستدامة. يعتقد نافيه بقوة أن نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) ستصبح سلعة في المستقبل القريب. هذا يعني أن الميزة التنافسية لن تكمن في النموذج نفسه، بل في كيفية تطبيقه ودمجه بذكاء لحل المشكلات المعقدة والفريدة للعمليات الأساسية للشركات.
هذا التحول يدعو الشركات لإعادة تقييم استراتيجياتها في استثماراتها التقنية، والتركيز على الحلول التي تستطيع التكيف مع التفاصيل الدقيقة لكل عملية، بدلاً من البحث عن نماذج قوية لكنها غير قابلة للتخصيص. بالنسبة لأسواق الشحن والتجارة العالمية، هذا يعني أن النجاح لن يكون حكرًا على من يمتلك التقنية الأحدث، بل على من يستطيع تطبيقها بفعالية لتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد وتحسين الأداء المالي.
في عالم الذكاء الاصطناعي للمؤسسات المتطور باستمرار، لم تعد القوة الخام للنموذج هي الفيصل، بل القدرة على فهم التفاصيل الدقيقة للعمليات التجارية وتصميم حلول قابلة للتكيف والتوسع. الشركات التي تدرك هذا التحول وتستثمر في المرونة والتكامل ستكون هي الرابحة في سباق الأتمتة، بينما قد تواجه الشركات التي تلتزم بالرهانات التقليدية تحديات في تحقيق العائد المالي المرجو. هذا التغير سيشكل ملامح جديدة للاقتصاد الرقمي، ويفتح آفاقًا واسعة للابتكار في كيفية إدارة الأعمال وتحقيق الأرباح في المستقبل.



