تجد القارة الأوروبية نفسها في قلب مأزق استراتيجي واقتصادي غير مسبوق، مع تصاعد حدة أزمة مضيق هرمز التي تهدد حركة الشحن العالمية وتدفق إمدادات الطاقة. فبينما تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية عالمية خطيرة، تبدو أوروبا عاجزة عن صياغة خطة واضحة لاستئناف الملاحة في هذا الممر الحيوي، ما يضع مستقبل التجارة العالمية وأسعار النفط على المحك.
تفاقم أزمة مضيق هرمز وتداعياتها الاقتصادية
كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن حالة الارتباك الاستراتيجي التي تعيشها أوروبا في مواجهة هذا التحدي البحري المتصاعد. فبعد اجتماع افتراضي ضم مسؤولين من نحو 40 دولة لمناقشة سبل استئناف الملاحة عبر المضيق، انتهى اللقاء دون التوصل إلى أي خطة عملية. حتى المبادرات المقترحة، مثل المبادرة الإيطالية لإنشاء “ممر إنساني” يسمح بمرور الأسمدة والسلع الحيوية، لم تحظَ بإجماع أو دعم كافٍ، مما يعكس عمق الأزمة وتعدد أبعادها.
تتعرض الدول الأوروبية لضغوط مكثفة، بما في ذلك دعوات من الإدارة الأمريكية لإرسال أصول عسكرية فورية لكسر ما يُوصف بـ “الحصار”. إلا أن هذه الدعوات قوبلت بالرفض في الوقت الراهن، حيث تفضل العواصم الأوروبية البحث عن خيارات أقل تصعيداً، خاصة في ظل التعقيدات الجيوسياسية الراهنة. إن الخلافات الداخلية بين الدول الأوروبية، وبطء آليات اتخاذ القرار، بالإضافة إلى الحاجة لموافقة الأمم المتحدة على أي تحرك دولي، كلها عوامل تعرقل التوصل إلى استراتيجية موحدة في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على القارة.
خيارات أوروبا المحدودة: بين الضغوط العسكرية والواقع الاقتصادي
عرضت “نيويورك تايمز” أربعة مسارات رئيسية قيد النقاش، لكل منها تحديات كبيرة وتكاليف اقتصادية باهظة. أول هذه الخيارات يتمثل في مرافقة السفن التجارية عبر المضيق بواسطة قوات بحرية أوروبية، وهو مقترح تدعمه فرنسا. لكن هذا الخيار يواجه عقبات أبرزها التكلفة العالية وضعف القدرة الدفاعية أمام هجمات محتملة، خاصة الطائرات المسيرة. وقد عبر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس عن تشككه في قدرة عدد محدود من السفن الأوروبية على تحقيق ما لم تتمكن منه القوة البحرية الأمريكية.
الخيار الثاني، وهو طرح ألماني بلجيكي، يتمثل في إرسال كاسحات ألغام لتأمين المضيق. هذا الخيار يواجه شكوكاً حول جدواه، إذ تشير التقديرات إلى أن إيران لم تزرع ألغاماً فعلياً، ما يجعله محدود التأثير. أما الخيار الثالث، فيقترح توفير غطاء جوي عبر الطائرات المقاتلة والمسيرات لحماية السفن، وهو أيضاً مكلف وغير مضمون، نظراً لإمكانية تنفيذ هجمات بسيطة لكنها مؤثرة، مثل استخدام زوارق سريعة، قد تكون كافية لإخافة شركات الشحن والتأمين ومنعها من العبور. وأخيراً، الخيار الرابع، وهو الأكثر شمولاً، يجمع بين الأدوات العسكرية والضغوط الدبلوماسية، بما في ذلك محاولة إشراك قوى دولية مثل الصين للضغط على إيران. إلا أن هذا المسار أيضاً يظل غير مضمون، خاصة في ظل فشل الجهود الدبلوماسية حتى الآن في إنهاء التصعيد.
مستقبل مضيق هرمز: سيناريوهات السيطرة وتأثيرها على أسواق الطاقة
في حال فشل كل هذه الخيارات، تبرز مخاوف من سيناريو أكثر خطورة، إذ ألمح مسؤولون إيرانيون إلى نيتهم الاستمرار في التحكم بحركة المرور في المضيق حتى بعد انتهاء التوترات، مع خطط لفرض رسوم عبور على السفن، وهو ما يثير جدلاً قانونياً ودولياً حول وضع المضيق كممر دولي مفتوح. هذا السيناريو ينذر بتداعيات اقتصادية واسعة، حيث يعتمد العالم بشكل كبير على الشحنات التي تمر عبر المضيق، خاصة الوقود والأسمدة. وقد بدأت بالفعل بوادر أزمة في بعض المناطق من خلال نقص الإمدادات، بينما تواجه أوروبا ارتفاعاً في أسعار النفط والغاز والأسمدة، ما يهدد بزيادة التضخم وإضعاف النمو الاقتصادي.
لقد حذر هانس كونيغ، المدير التنفيذي في شركة “أورورا إنرجي ريسيرش”، من أن الخطر الأكبر يتمثل في تداعيات طويلة الأمد على الاقتصاد الأوروبي والعالمي. إن استمرار أزمة مضيق هرمز بهذه الوتيرة قد يعيد تشكيل مسارات التجارة العالمية، ويدفع الدول للبحث عن بدائل مكلفة لإمدادات الطاقة، مما يؤثر على أسعار السلع الأساسية ويزيد من تكاليف الشحن والاستثمار في قطاعات حيوية. يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة أوروبا على تجاوز هذا المأزق دون أن تدفع ثمناً باهظاً على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي.

