لطالما كانت الثروات الطبيعية في اليمن محط صراع وتجاذبات، وفي أحدث فصول هذا النزاع، يبرز حلف قبائل حضرموت بموقف تصعيدي يهدد بوقف تصدير نفط حضرموت، مما ينذر بتداعيات اقتصادية وسياسية واسعة. يأتي هذا التحرك بعد اجتماع استثنائي عُقد في منطقة العليب، ضم مقادمة ومشايخ وشخصيات اجتماعية بارزة، لمناقشة تداعيات منع رئيس الحلف، عمرو بن حبريش، والوفد المرافق له من العودة إلى المحافظة من السعودية. هذا التطور يعكس عمق الأزمة حول إدارة الموارد وتوزيعها، ويضع مستقبل إيرادات النفط في قلب التوترات الجارية.
جذور الأزمة ومطالب حلف قبائل حضرموت
أكد المجتمعون أن أبناء حضرموت قدموا تضحيات جسام على مر السنوات لحماية المحافظة وتأمين منشآتها الحيوية والنفطية، وحافظوا على الأمن والاستقرار في ظروف قاسية. ومع ذلك، لم تُقابل هذه التضحيات بالاستجابة الكافية لاستحقاقاتهم المشروعة، بل ترافقت مع محاولات مستمرة لتهميش دورهم والالتفاف على حقوقهم. وشدد بيان الحلف على أن استمرار منع الشيخ عمرو بن حبريش من العودة إلى حضرموت، دون معالجة واضحة وسريعة، يُعد أمراً مرفوضاً، مطالبين بإنهاء هذا الغموض وضمان عودته لممارسة مسؤولياته كقائد للحلف.
كما أعرب المجتمعون عن استيائهم من التأخير في تنفيذ خطة تطبيع الأوضاع بالمحافظة التي أعلنها المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية في 07 يناير 2025، إضافة إلى الاتفاقية الموقعة بين السلطة المحلية وحلف قبائل حضرموت في 03 ديسمبر 2025. وأكد الحلف أن أبناء حضرموت، الذين تحملوا أعباء الدفاع عن المحافظة، يستحقون تنفيذ هذه الالتزامات والتعهدات وتحويلها إلى إجراءات عملية ملموسة. وقد أقر الاجتماع مواقف تصعيدية، أبرزها التمسك بحق بن حبريش في العودة، ورفض تمرير أو قبول أي قرارات رئاسية جديدة تتعلق بتصدير نفط حضرموت أو ثرواتها قبل عودته.
التداعيات الاقتصادية والسياسية المحتملة
يهدد قرار حلف قبائل حضرموت بوقف تصدير النفط بإحداث ارتدادات كبيرة على الاقتصاد اليمني المنهك، وعلى أسواق الطاقة الإقليمية. فإيرادات النفط تمثل شريان حياة لأي جهة تحكم في اليمن، وأي تعطيل لعمليات الشحن والتجارة النفطية سيكون له تأثير مباشر على أسعار النفط العالمية، وإن كان محدودًا، وعلى الاستقرار المالي للمناطق المنتجة. هذا التصعيد قد يعمق الأزمة الاقتصادية القائمة ويؤثر على حياة المواطنين بشكل مباشر، خاصة مع اعتماد أجزاء كبيرة من البلاد على هذه الموارد.
سياسياً، يضع هذا الموقف المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية أمام تحدٍ كبير، إذ يبرز مدى تعقيد المشهد اليمني وتعدد مراكز القوى المحلية التي تسعى لفرض نفوذها على الموارد. إن تجاهل مطالب القبائل قد يدفع المنطقة نحو مزيد من الاحتقان وعدم الاستقرار، مما يقوض جهود بناء شراكة وطنية حقيقية. كما أن هذا التحرك يعكس تزايد الوعي المحلي بأهمية الثروات الطبيعية ودورها في بناء اقتصاد مستدام، بعيداً عن الهيمنة أو الوصاية الخارجية.
مقاربة صنعاء وديناميكيات الصراع الأوسع
في ظل هذه التطورات، تتقاطع مطالب حلف قبائل حضرموت مع دعوات حكومة صنعاء المستمرة لليمنيين بالسيطرة الكاملة على ثرواتهم النفطية والغازية. لطالما أكدت أنصار الله (الحوثيون) على أن إيرادات تصدير النفط يجب أن تخدم الشعب اليمني بأكمله، وأن أي استغلال لهذه الموارد بمعزل عن الإرادة الوطنية يمثل انتهاكاً للسيادة. هذا التوافق الجزئي في الأهداف، وإن اختلف في الدوافع والآليات، يعزز من الموقف الرافض لأي وصاية على القرار الاقتصادي السيادي، سواء من قوى داخلية أو خارجية.
إن هذا التصعيد في حضرموت يلقي بظلاله على ديناميكيات الصراع الأوسع في اليمن، ويشير إلى أن القضايا الاقتصادية، وخاصة عائدات النفط، ستظل نقطة محورية في أي مفاوضات مستقبلية. إن قدرة أي طرف على التحكم في هذه الموارد، أو تعطيلها، تمنحه ورقة ضغط قوية في أي حوار سياسي، مما يجعل ملف ثروات حضرموت النفطية عنصراً حاسماً في رسم خريطة المستقبل اليمني.
حمّل الحلف الجهات التي تعرقل عودة بن حبريش كامل المسؤولية عن أي تداعيات قد تنجم عن استمرار هذا الوضع، مطالباً بالتنفيذ الفوري لخطة تطبيع الأوضاع والاتفاقيات المبرمة مع السلطة المحلية. وأعلن أن جميع الخيارات أصبحت مفتوحة أمام قيادة الحلف ورجاله لاتخاذ ما يرونه مناسباً في حال استمرار تجاهل هذه المطالب. يبقى السؤال معلقاً: هل سيتمكن حلف قبائل حضرموت من فرض إرادته والتحكم في مصير تصدير نفط حضرموت، أم أن الضغوط ستدفع نحو حل يراعي مصالح الجميع ويجنب المنطقة مزيداً من الاضطرابات؟



