لطالما كانت اليمن، بموقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية، محط أنظار العالم، لكن عقودًا من الصراعات أثرت بعمق على قدرتها على استغلال ثرواتها، خاصة النفطية. اليوم، تتفاقم أزمة النفط في اليمن لتلقي بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين، مع استمرار الضغوط المعيشية وتدهور الخدمات الأساسية. في هذا السياق، كشف سالم الخنبشي، عضو المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية ومحافظ حضرموت، عن تحديات اقتصادية جسيمة تواجه البلاد، مؤكدًا أن الإجراءات الحكومية الأخيرة لم تخفف العبء عن كاهل المواطنين، في ظل تداعيات توقف صادرات النفط وتوزيع الموارد غير المتوازن.
التحديات الاقتصادية وتأثيرها على المواطنين
تتعدد أوجه الأزمة الاقتصادية التي يعيشها اليمن، فبحسب تصريحات الخنبشي، تشهد الإيرادات العامة تدهورًا ملحوظًا، مما يوسع الفجوة المعيشية ويزيد من حدة أزمة الطاقة المزمنة. ورغم زيادة بعض العلاوات والاستحقاقات، فإن المواطنين ما زالوا يرزحون تحت وطأة ضغوط معيشية متزايدة، نتيجة لارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري، وتأثيرات تحرير سعر الدولار الجمركي الذي انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية. وقد دعا الخنبشي إلى ترشيد الإنفاق الحكومي وتعزيز الإيرادات المحلية والمركزية، مع منح السلطات المحلية حصصًا أكبر من الموارد في إطار توجه نحو اللامركزية المالية والإدارية، وهو ما قد يسهم في تحسين اقتصاد اليمن.
صراع الموارد: النفط والكهرباء في حضرموت وعدن
تبرز أزمة الكهرباء كأحد أكبر التحديات التي تعمق أزمة النفط في اليمن. فحضرموت، على سبيل المثال، تحتاج خلال فصل الصيف إلى ما بين 400 و500 ميجاوات من الطاقة الكهربائية، في حين لا يتجاوز الإنتاج الحالي نصف هذا الاحتياج. وتتضمن المعالجات المقترحة إنشاء محطات إسعافية ومشاريع استراتيجية تعتمد على الغاز والنفط، بالإضافة إلى مشروع الربط الكهربائي مع السعودية، وهي مشاريع تتطلب استثمارات ضخمة. كان النفط يمثل قبل توقف الصادرات ما بين 70 و80% من الموازنة العامة للدولة، لكن الهجمات على الموانئ النفطية أدت إلى توقف التصدير، وتحويل جزء كبير من الإنتاج لاستهلاك محلي لتشغيل محطات الكهرباء بدلاً من توليد النقد الأجنبي.
وتكشف الأرقام الصادرة عن شركة بترومسيلة تعقيدات توزيع النفط في اليمن، حيث تنتج الشركة نحو 1.3 مليون لتر من الديزل يوميًا، يذهب أكثر من مليون لتر منها إلى خارج حضرموت، لتغذية محطات الكهرباء في عدن ومحافظات أخرى تابعة للمجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية. في المقابل، تحصل حضرموت على ما بين 300 و350 ألف لتر فقط، رغم حاجتها لنحو 700 ألف لتر يوميًا. وفي هذا السياق، نقل الصحفي ماجد الداعري عن الخنبشي عدم قناعته بالكميات الحالية المخصصة لكهرباء عدن، مشيرًا إلى رفض حضرموت منح وقودها مجانًا، وتحفظها على تزويد ‘محطة الرئيس’ في عدن بالنفط الخام من خزانات الضبة والمسيلة. كما انتقد الداعري تهرب الخنبشي من تقديم حلول جذرية، ودعا إلى جلب النفط الخام من مأرب وشبوة، خاصة وأن حضرموت لم تستلم مستحقاتها السابقة البالغة 20%.
تداعيات أزمة النفط في اليمن على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي
تخلق الخلافات حول عائدات النفط وتوزيعها توترات سياسية واقتصادية عميقة، وتؤثر بشكل مباشر على استقرار أسواق الطاقة والسلع. فالصراع على الموارد يعكس غياب رؤية وطنية موحدة لإدارة الثروات، مما يعيق أي جهود لتحقيق الانتعاش الاقتصادي. هذه المشاكل تؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين، وتزيد من معدلات الفقر والبطالة، مما يهدد السلم الاجتماعي. كما أن توقف صادرات النفط يؤثر سلبًا على إيرادات الدولة من العملات الصعبة، مما يقلل من قدرتها على استيراد السلع الأساسية والمعدات الضرورية لتشغيل البنية التحتية، ويزيد من تكلفة الشحن والتجارة عمومًا. يمكن الاطلاع على تقارير حول مستقبل الطاقة في اليمن لمعرفة المزيد عن التحديات والفرص.
إن استمرار أزمة النفط في اليمن وتفاقمها يضع البلاد أمام مفترق طرق حرج. فبينما تتصاعد المطالب بمنح المناطق المنتجة حصة أكبر من مواردها، وتتزايد الضغوط لتوفير الطاقة الكهربائية، تظل الحاجة ماسة إلى حلول شاملة تتجاوز المعالجات الترقيعية. يتطلب الوضع الحالي توافقًا وطنيًا حول إدارة الثروات النفطية والغازية، بما يضمن العدالة في التوزيع ويعزز الشفافية، لإنقاذ اقتصاد اليمن من الانهيار المحتم. إن مستقبل اليمن الاقتصادي والاجتماعي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على تجاوز هذه الأزمة، وتحويل الثروات الكامنة إلى محركات للتنمية المستدامة، بدلًا من أن تكون وقودًا للصراعات الداخلية. تقرير الجزيرة حول أزمة النفط يقدم مزيدًا من التحليل.



