لم تكن إيران يوماً بمنأى عن تحديات اقتصادية جمة، لكن اليوم، تبدو طهران عازمة على قلب الصفحة عبر مفاوضات حاسمة في إسلام آباد، تضع فيها ملف إنعاش الاقتصاد الإيراني على رأس أولوياتها. تسعى الجمهورية الإسلامية بجدية لإعادة فتح قنواتها المالية الدولية ورفع العقوبات التي خنقت نموها لسنوات طويلة، في خطوة قد تعيد تشكيل خارطة التجارة والاستثمار بالمنطقة.
وفد إيراني رفيع المستوى: مقاربة اقتصادية بحتة
في تحول لافت، لم تعد مفاوضات إيران تُدار بمنطق الدبلوماسية التقليدية فحسب، بل بمقاربة اقتصادية تقنية تهدف إلى إصلاح النظام المالي ودمجه في الاقتصاد العالمي. الوفد الإيراني الذي وصل إلى باكستان برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، يضم شخصيات بارزة في السياسة النقدية والمالية وإدارة العقوبات، إضافة إلى خبراء في البنى الاقتصادية والحوكمة، مما يكشف عن حجم الرهان على هذه الجولة. وقد أشار اطلاع “بقش” إلى أن الفريق الاقتصادي يقوده محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، أحد أبرز الوجوه الاقتصادية في البلاد، إلى جانب مجيد شاكري، المعروف بقدرته على تحليل أنظمة العقوبات وتصميم بدائل مالية للتعاملات الدولية. هذا التركيز يعكس إدراك طهران أن مفتاح تحسين أسعار السلع وتنشيط التجارة يكمن في حل العقد المالية. يأتي هذا في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً مركبة، أبرزها تراجع الإنتاج في بعض القطاعات الحيوية، وتضرر البنية التحتية الصناعية، خصوصاً في قطاعي الفولاذ والبتروكيماويات، مما زاد من هشاشة الوضع الاقتصادي الداخلي.
تداعيات العقوبات المصرفية وتكاليف التجارة
تُعد العقوبات المصرفية العقدة الأكبر أمام إنعاش الاقتصاد الإيراني. فمنذ سنوات، تعيش البنوك الإيرانية في عزلة شبه تامة عن النظام المالي العالمي، مما حدّ من قدرتها على تنفيذ التحويلات المالية الدولية، حتى في القطاعات الحيوية كالغذاء والدواء. هذه العزلة أجبرت طهران على بناء شبكات مالية بديلة، تعتمد على شركات الصرافة والوسطاء الإقليميين في أسواق مثل دبي وتركيا. ورغم أن هذه الآلية سمحت باستمرار جزء من التجارة، إلا أنها جاءت بتكلفة باهظة. فقد وصلت عمولات التحويل في بعض الحالات إلى ما بين 15% و20%، مقارنة بأقل من 0.5% في النظام المصرفي العالمي. هذه الفروقات الهائلة جعلت عملية الشحن والتجارة الخارجية مكلفة ومعقدة، وأضعفت القدرة التنافسية للشركات الإيرانية، وقللت من جاذبية الاستثمار الأجنبي. ومع تصاعد التوترات الأخيرة، تزايدت المخاوف من تراجع دور بعض هذه المراكز المالية الوسيطة، ما دفع إيران للبحث عن بدائل جديدة.
آفاق اقتصادية وتأثيرات إقليمية محتملة
تتجاوز أهمية هذه المفاوضات حدود إيران لتشمل المنطقة بأكملها. فالانفراجة الاقتصادية المحتملة قد تُسهم في استقرار أسعار النفط العالمية، نظراً لدور إيران كلاعب رئيسي في أسواق الطاقة. داخلياً، تعيش الأسواق الإيرانية حالة ترقب حذرة، ويأمل التجار والمستهلكون أن تُسهم أي نتائج إيجابية في استقرار سعر الصرف وتسهيل عمليات الاستيراد، مما قد ينعكس إيجاباً على القدرة الشرائية للمواطنين. سياسياً، قد تُعزز هذه التطورات من موقع إيران في المنطقة، وتُسهم في تخفيف حدة التوترات، مما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي الإقليمي الذي قد يشمل محور المقاومة بشكل أوسع، ويعزز من فرص التنمية المشتركة بعيداً عن ضغوط العقوبات. ففي سوق طهران الكبير، يفضل العديد من التجار تأجيل قرارات الشراء بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات.
بينما تترقب الأوساط الاقتصادية والسياسية نتائج هذه المفاوضات، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح طهران في كسر طوق العقوبات المالي الذي يحيط بها، وهل ستتمكن من إعادة دمج اقتصادها في المنظومة العالمية بشروط مواتية؟ إن تحقيق هذا الهدف لن يعود بالنفع على إيران وحدها، بل قد يُشكل نقطة تحول في ديناميكيات المنطقة، ويفتح الباب أمام ترتيبات اقتصادية جديدة قد تُغير من مسار التجارة والاستثمار الإقليمي والدولي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الاستقرار والنمو المستدام.



