على مشارف مضيق هرمز الحيوي، حيث تتلاطم أمواج الخليج العربي محمّلة بثلث نفط العالم، بدأت إيران بتنفيذ خطوة استراتيجية قد تعيد تشكيل خارطة المدفوعات الدولية لتجارة الطاقة، وذلك بفرض رسوم عبور هرمز بالعملات الرقمية، بما في ذلك البيتكوين واليوان الصيني، في مسعى لتقويض هيمنة الدولار الأمريكي وتجاوز قيود العقوبات المفروضة عليها. هذه المبادرة، التي وصفتها تقارير بريطانية بالسابقة، تهدف إلى تخفيف مخاطر تجميد الأموال وتعزيز استقلال طهران المالي في مواجهة الضغوط الدولية.
تفاصيل القرار وأبعاده الاقتصادية
كشف تقرير نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، واطلع عليه “بقش”، أن إيران حددت رسوم عبور المضيق بواقع دولار واحد لكل برميل نفط. هذا يعني أن ناقلة نفط عملاقة قد تواجه رسومًا تصل إلى مليوني دولار لعبور هذا الممر المائي الاستراتيجي. هذا المبلغ يُعد كبيرًا لشركات الشحن ومصدري النفط، خاصة وأن مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية. تأتي هذه الخطوة استكمالًا لتوجهات سابقة، حيث أكد “بقش” مطلع أبريل الجاري، نقلًا عن بلومبيرغ، أن الحرس الثوري الإيراني كان يتجه لفرض نظام دقيق يجبر مشغلي السفن على دفع رسوم باهظة، مشترطًا ألا يتم الدفع بالدولار الأمريكي، مفضلًا اليوان الصيني أو العملات المشفرة المستقرة. وأوضح حامد حسيني، المتحدث باسم اتحاد مصدّري النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية في إيران، أن هذه الرسوم ستُطبّق خلال فترة هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، مما يوفر فرصة لدفع الرسوم بأمان نسبي باستخدام العملات الرقمية.
العملات الرقمية واليوان: استراتيجية تجاوز العقوبات
يُقرأ السماح بالمدفوعات بالبيتكوين أو اليوان الصيني كجزء محوري من استراتيجية إيران طويلة الأمد لتقليل تعرضها لنظام الدولار الأمريكي. هذه الخطوة تعكس سعي طهران لتأمين تدفق إيراداتها النفطية في ظل العقوبات الاقتصادية القاسية، وتُبرز الدور المتزايد للعملات الرقمية كأداة بديلة للدفع في المعاملات التجارية الكبرى، خصوصًا في أوقات الأزمات الجيوسياسية. تشير تناولات “بقش” إلى أن قيمة النظام البيئي للعملات المشفرة في إيران تبلغ حوالي 7.8 مليارات دولار، وهو ما يؤكد اعتماد البلاد المتزايد على هذه الأدوات المالية. وقد شهد سعر البيتكوين ارتفاعًا بنحو 7% يوم الثلاثاء بعد التقارير عن محادثات وقف إطلاق النار، ليصل إلى حوالي 71,500 دولار، ما يعكس العلاقة المباشرة بين الأحداث الجيوسياسية وتقلبات أسواق العملات الرقمية.
تداعيات عالمية على أسواق الشحن والطاقة
لأن مضيق هرمز يُعد الممر الأساسي لحوالي 20% من صادرات النفط العالمية، فإن أي تغيّر في آليات دفع رسوم عبور هرمز بالعملات الرقمية له تأثير مباشر على أسعار النفط العالمية وتوجهات شركات الشحن الدولية. هذه الشركات قد تجد نفسها مضطرة لتبني أنظمة دفع جديدة ومتعددة لتأمين مرور سفنها بأقل مخاطرة ممكنة، مما يعزز من مرونة التجارة الدولية ولكن قد يزيد من تعقيداتها. هذه الخطوة الإيرانية لا تقتصر على تعزيز سيطرتها المالية وتقليل المخاطر المرتبطة بالتعامل بالدولار فحسب، بل تمثل أيضًا استغلالًا ذكيًا للتكنولوجيا الحديثة لضمان استمرار تدفق إيرادات النفط حتى خلال الأزمات. وفي هذا السياق، بدأت المنظمة البحرية الدولية (IMO) العمل على تنفيذ آلية دولية تضمن “أمن العبور” للسفن عبر مضيق هرمز، في محاولة لتخفيف التوترات وتأمين الملاحة في هذا الممر الحيوي.
إن إصرار إيران على تنويع خيارات الدفع عبر مضيق هرمز يشير إلى تحول أوسع في المشهد المالي العالمي، حيث تسعى الدول الخاضعة للعقوبات إلى إيجاد بدائل لنظام الدولار المهيمن. هذا التوجه قد يدفع بمزيد من الدول نحو استكشاف العملات الرقمية والعملات المحلية في تجارتها الدولية، مما يفتح الباب أمام نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب، ويطرح تحديات وفرصًا جديدة للأسواق المالية وشركات الشحن والتجارة على حد سواء.

