على امتداد مياهه الزرقاء التي تعج بحركة التجارة العالمية، يشهد مضيق هرمز، الشريان الحيوي لأسواق الطاقة، تحولاً لافتاً في خطاب طهران بشأنه. فقد بدأت إيران، وفقاً لمعلومات حديثة، في إعادة صياغة مقاربتها، متنقلة من الحديث الصريح عن “رسوم عبور” للسفن إلى تقديم مفهوم “خدمات الملاحة” كآلية لتنظيم المرور في هذا الممر الاستراتيجي. هذه الخطوة، التي تهدف إلى تخفيف حدة الرفض الدولي لمقترحها الخاص بـ إدارة مضيق هرمز بعد انتهاء الصراعات الراهنة، تعكس ديناميكية جيوسياسية واقتصادية معقدة.
التحول في الخطاب الإيراني وتداعياته
لم تكن التباينات في التصريحات الإيرانية وليدة الصدفة، بل جاءت لتكشف عن طبيعة المفاوضات الحساسة التي تخوضها طهران مع القوى الكبرى. فبينما تحدث مستشار عسكري للمرشد الأعلى عن “حق قانوني” لإيران في إدارة المضيق، ما أثار مخاوف دولية واسعة من فرض قيود جديدة على حركة الشحن، قدم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي صيغة أكثر مرونة. أكد بقائي أن ما يُطرح ليس رسوماً تقليدية للعبور، بل هو مقابل “خدمات” حيوية تضمن أمن الملاحة وحماية البيئة البحرية وتأمين المرور الآمن للسفن، وفق ما أوردته وكالة بلومبيرغ. هذا التعديل في التعبير يهدف إلى إضفاء شرعية دولية على مساعي إيران لترسيخ دورها المحوري في هذا الممر المائي.
تؤكد طهران أن إدارة مضيق هرمز تعود للدولتين المطلتين عليه، إيران وسلطنة عمان، مشيرة إلى جهود مشتركة لإعداد بروتوكول خاص لآلية المرور الآمن للسفن. ويرى المسؤولون الإيرانيون أن أي ترتيبات أمنية أو بحرية تقوم بها أطراف خارجية، مثل بريطانيا أو فرنسا، لا تزيد الوضع إلا تعقيداً، ما يعكس رفضاً إيرانياً لتدويل المضيق أو السماح بترتيبات أمنية خارج الإطار الثنائي. من جهتها، تظهر واشنطن موقفاً أكثر تشدداً، حيث شدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على استحالة التوصل إلى اتفاق دبلوماسي إذا مضت إيران في فرض نظام رسوم عبور، معتبراً ذلك “غير قانوني تماماً” ويشكل تهديداً مباشراً للتجارة العالمية وأسعار النفط.
الدور العماني والمقترحات الإيرانية طويلة الأمد
في قلب هذه الديناميكية المعقدة، تلعب سلطنة عمان دوراً محورياً كوسيط وشريك إقليمي. فقد استقبلت مسقط وفداً إيرانياً برئاسة نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، حيث جرت مباحثات حول المبادئ القانونية التي تحكم حرية الملاحة في مضيق هرمز. أكد بيان صادر عن وزارة الخارجية العمانية أن الجانبين ناقشا سبل استئناف الملاحة بصورة “آمنة ومستدامة”، وتطوير القدرات المرتبطة بحماية حركة الشحن والتجارة وسلاسل الإمداد في ضوء التحديات الأمنية الراهنة. هذا التعاون الثنائي يشير إلى محاولة لإيجاد حل إقليمي يوازن بين المصالح الإيرانية والمخاوف الدولية.
ورغم اللغة الإيرانية الأكثر مرونة، فإن المؤشرات لا تزال تدل على سعي طهران لترسيخ دور دائم وفعال في إدارة مضيق هرمز بعد انتهاء النزاعات. فتقارير سابقة تحدثت عن مشروع قانون داخل البرلمان الإيراني يهدف إلى منح السلطات صلاحيات أوسع لتنظيم حركة السفن وفرض قيود عليها. وقد نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مسؤولين برلمانيين أن جزءاً من هذه العائدات سيخصص لتطوير البنية العسكرية الإيرانية، بينما يذهب الجزء الآخر لدعم الاقتصاد الداخلي. هذا يؤكد أن إيران تنظر إلى المضيق كأداة استراتيجية واقتصادية طويلة الأمد، تساهم في تعزيز قدراتها الدفاعية وتنمية مواردها.
التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية على أسواق الشحن العالمية
لا تزال تداعيات الأزمة الراهنة في المنطقة تضغط بقوة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد، خاصة مع استمرار الإغلاق الفعلي للمضيق منذ اندلاع الصراعات. تشير التقديرات إلى احتجاز ما بين 1500 و2000 سفينة في المنطقة المتأثرة، ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين. هذا الوضع يهدد استقرار أسعار النفط ويخلق تحديات جمة أمام التجارة الدولية، مما يجعل أي حل مستدام لأمن الملاحة في مضيق هرمز أمراً حيوياً للاقتصاد العالمي.
إن محاولة إيران لإعادة تعريف دورها في إدارة مضيق هرمز من خلال تقديم “خدمات” بدلاً من “رسوم” قد يكون خطوة محسوبة لتهدئة المخاوف الدولية، مع الحفاظ على طموحاتها الاستراتيجية. فالمضيق لا يمثل مجرد ممر مائي، بل هو نقطة محورية للصراع على النفوذ والتحكم في تدفقات الطاقة العالمية. وستظل المفاوضات الجارية، سواء مع واشنطن أو عبر الوساطة العمانية، تحدد مستقبل هذا الممر الحيوي، وتأثيراته المباشرة على أسواق الشحن وأسعار الطاقة والاستثمار في المنطقة.
تبقى الأيام القادمة حبلى بالتطورات، فبين طموحات طهران لترسيخ نفوذها في إدارة مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة الدولية، يبرز تحدي التوافق على صيغة تحفظ مصالح جميع الأطراف. إن مستقبل التجارة العالمية وأمن الطاقة يعتمدان بشكل كبير على الكيفية التي ستتم بها تسوية هذه القضية المعقدة، وما إذا كانت “خدمات الملاحة” الإيرانية ستكون جسراً للتفاهم أم نقطة خلاف إضافية في مياه الخليج الاستراتيجية.



