في قلب الخليج العربي، حيث تتلاطم أمواج السياسة والاقتصاد، يبرز مقترح عماني مضيق هرمز كشريان أمل لتهدئة التوترات المشتعلة. تسعى مسقط، التي طالما لعبت دور الوسيط، إلى إعادة صياغة قواعد الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي، عبر خطة جريئة تتضمن فرض “رسوم طوعية” على السفن العابرة، في محاولة للتوفيق بين المطالب الإيرانية بالحصول على تعويضات ورفض واشنطن لأي رسوم إلزامية، مما قد يفتح باباً واسعاً لتسوية تاريخية تؤثر على أسعار النفط العالمية وتجارة الشحن.
تفاصيل المقترح العماني وتداعياته الأولية
يتمركز المقترح العماني حول إنشاء نظام عبور إقليمي مشترك لمضيق هرمز، الشريان الأهم للطاقة في العالم. هذا النظام يهدف إلى استبدال السيطرة الإيرانية المنفردة على المضيق بآلية إقليمية تتولى مسؤولية الأمن البحري وعمليات البحث والإنقاذ وحماية البيئة. الفكرة الجوهرية تتمثل في تحصيل إيران “رسوم طوعية” من السفن، على غرار نموذج مضيق ملقا الآسيوي. هذا التوجه يأتي في أعقاب توقف مفاجئ لحملة القصف الأمريكية التي استمرت لثلاثة عشر ليلة، وهو ما أدى إلى هبوط حاد في أسعار النفط العالمية بنحو 8%، لتستقر عقود برنت حول 86 دولاراً للبرميل، مما يعكس حساسية الأسواق لأي تصعيد في المنطقة.
على الرغم من تفاؤل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية التوصل إلى تسوية، فإنه لم يغفل التحذير من استئناف العمليات العسكرية في حال فشل المفاوضات. في المقابل، ترفض طهران بحزم أي محادثات مباشرة جديدة مع واشنطن، مستندة إلى انتهاك الأخيرة لاتفاق إطاري سابق. ومع ذلك، تؤكد مصادر دبلوماسية أن الاتصالات غير المباشرة، التي تقودها سلطنة عمان، لا تزال مستمرة وتحظى بمتابعة واشنطن، مما يشير إلى وجود مساحة للمناورة الدبلوماسية لتعزيز التعاون الإقليمي.
نموذج ملقا: مقارنة وتحديات اقتصادية
يستلهم المقترح العماني فكرته من مضيق ملقا، حيث يتم جمع تبرعات طوعية لدعم صندوق ياباني يُعنى بصيانة الممرات الملاحية وحماية البيئة. هذا الصندوق جمع نحو 23 مليون دولار منذ عام 2008. تكمن الفكرة في تطبيق هذا المفهوم على مضيق هرمز، حيث تدفع كل سفينة مساهمة طوعية دون إجبار. لكن المقارنة ليست دقيقة تماماً؛ فمضيق ملقا يواجه مشكلات ملاحية حقيقية تتطلب صيانة دورية، بينما مضيق هرمز ممر بحري عميق ومفتوح لا تتطلب تحدياته الملاحية رسوماً مماثلة. هذا الفارق يثير تساؤلات حول دوافع إيران، التي يبدو أنها تسعى لإنعاش اقتصاد إيران المتضرر جراء العقوبات والتكاليف الباهظة، وليس فقط لتمويل صيانة المضيق.
تعتبر واشنطن أن أي فرض لرسوم إجبارية ينتهك القانون الدولي وحرية الملاحة في الممرات المائية الدولية، وهو ما يعقد تطبيق أي آلية غير طوعية. هذا الموقف الأمريكي يضع حداً لأي طموح إيراني بتحويل الرسوم إلى مصدر دخل ثابت دون موافقة دولية واسعة. إن ربط أمن الملاحة في المضيق بمسألة الرسوم يعكس تعقيدات العلاقة بين السيادة الوطنية والقانون الدولي في الممرات الحيوية للتجارة العالمية.
آفاق التسوية وتأثيرها على أسواق الشحن والاستثمار
يمثل هذا مقترح عماني مضيق هرمز نقطة الوسط الدبلوماسية الوحيدة القابلة للتطبيق حالياً، وقد يشكل أساساً لتسوية تنهي حالة التوتر المستمرة. إذا ما نجحت هذه الجهود، فإنها ستسهم بشكل كبير في استقرار أسعار النفط العالمية، وهو ما ينعكس إيجاباً على أسواق الشحن والاستثمار في المنطقة والعالم. استقرار المنطقة يعني تكاليف تأمين أقل للسفن ومروراً آمناً، مما يعزز الثقة في سلاسل التوريد العالمية. اكتشف المزيد عن تأثيرات أسعار النفط على الاقتصاد العالمي.
على الصعيد الاجتماعي والأمني، فإن تخفيف التصعيد سيقلل من مخاطر النزاعات العسكرية المحتملة، ويسمح بتركيز الجهود على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. إن الدور الذي تلعبه سلطنة عمان كجسر دبلوماسي يؤكد أهمية الوساطة في تسوية النزاعات المعقدة، خاصة تلك التي تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والسياسية الدولية. اقرأ تحليلاً حول دور الوساطة العمانية في الأزمات الإقليمية.
يبقى مستقبل مضيق هرمز معلقاً بين دبلوماسية “الرسوم الطوعية” ومطالب السيادة الاقتصادية. وبينما تتواصل الجهود الدبلوماسية في الخفاء، تترقب أسواق الشحن العالمية والجهات المعنية بـتجارة النفط بفارغ الصبر ما ستسفر عنه هذه المبادرة العمانية. فهل ينجح هذا المقترح في إرساء دعائم استقرار دائم، أم ستبقى المنطقة على حافة تصعيد جديد قد يهز أركان الاقتصاد العالمي؟



