لطالما كان البحر الأحمر شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، ممرًا استراتيجيًا يربط الشرق بالغرب. اليوم، تتجدد التوترات حول الملاحة في البحر الأحمر، ففي خطوة تعكس تصاعد المواجهة، أعلنت حكومة صنعاء مؤخرًا أنها أجبرت ثماني سفن نفطية سعودية على تغيير مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر تكلفة. يأتي هذا الإجراء ضمن سياق ما تصفه صنعاء بمعادلة “الحصار بالحصار”، بالتزامن مع نفي قاطع لأي نية لفرض رسوم مالية على عبور السفن عبر مضيق باب المندب، مؤكدة أن العبور والخدمات المتعلقة بالمرور الآمن مجانية للسفن غير المشمولة بقرارات الحظر.
تأثيرات معادلة “الحصار بالحصار” على اقتصاد الشحن
في تطور لافت، أكدت قوات صنعاء تشديد الحظر البحري على السفن النفطية السعودية. هذا التشديد أدى إلى إجبار ثماني ناقلات نفط سعودية على تحويل وجهتها بعيدًا عن البحر الأحمر، لتسلك طريق رأس الرجاء الصالح. هذه الخطوة ليست مجرد تغيير في المسار، بل تحمل تداعيات اقتصادية كبيرة على أسعار النفط العالمية وعلى تكاليف الشحن. فالمسار البديل يعني زيادة في المسافة والوقت المستغرقين، وبالتالي ارتفاع في تكاليف الوقود والتأمين والتشغيل، ما يؤثر بشكل مباشر على هوامش تجارة النفط وأسواق الطاقة.
وتربط قوات صنعاء هذه العمليات البحرية بما أسمته “تثبيت معادلة الحصار بالحصار”. هذه المعادلة تشير إلى استمرار الضغط البحري على المصالح السعودية كوسيلة للرد على ما تراه حصارًا مفروضًا على اليمن. ويهدف هذا الضغط إلى إنهاء الحصار المفروض على اليمن واستعادة حقوقه المشروعة. هذا السياق يبرز كيف يمكن للأحداث الأمنية أن تتحول إلى عوامل مؤثرة في اقتصاد الشحن والاستثمار في سلاسل الإمداد العالمية.
توضيحات حكومة صنعاء بشأن رسوم العبور وأمن الممرات المائية
في سياق متصل، نفى مركز تنسيق العمليات الإنسانية (HOCC) في صنعاء بصورة قاطعة صحة المعلومات المتداولة بشأن اعتزام السلطات فرض رسوم مالية على السفن العابرة لمضيق باب المندب. وأكد المركز أنه لم يُتخذ أو يُدرس أي قرار بهذا الشأن، وأن عبور السفن عبر المضيق يبقى مجانيًا تمامًا. هذا النفي يهدف إلى تبديد أي مخاوف قد تؤثر على حركة الملاحة في البحر الأحمر وتزيد من قلق شركات الشحن العالمية.
وأوضح المركز أن خدمة “العبور الآمن” التي يقدمها للسفن والشركات الواقعة خارج نطاق الحظر المعلن هي خدمة مجانية واختيارية. هذه الخدمة تهدف إلى منح تأكيدات إضافية بشأن العبور الآمن في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والبحر العربي. يمكن للسفن الراغبة في الحصول على هذا التأكيد تقديم طلب عبر البريد الإلكتروني المخصص، مع وعد بالرد خلال ساعات. ويشدد المركز على أن أي جهة أو شخص يطالب بدفع مبالغ مالية مقابل العبور لا يمثل اليمن أو المركز، داعيًا شركات الشحن إلى عدم دفع أي رسوم والإبلاغ عن أي محاولات احتيال لضمان أمن الملاحة.
الأبعاد السياسية للأزمة وتداعيات الاستقرار الإقليمي
من جانبه، أكد رئيس وفد صنعاء المفاوض محمد عبدالسلام أن أقرب طريق لحصول السعودية على الأمن يتمثل في “إغلاق ملف العدوان ورفع الحصار كليًا عن اليمن واحترام حقوق الجوار”. ويرى عبدالسلام أن استمرار الحصار والمماطلة في تنفيذ استحقاقات السلام لن يحقق الاستقرار للمنطقة. هذا التصريح يربط بشكل مباشر بين استقرار الملاحة في البحر الأحمر ورفع الحصار عن اليمن، مشيرًا إلى أن الحل يكمن في المسار السياسي.
واعتبر عبدالسلام أن استمرار العمليات البحرية يؤكد التمسك بمعادلة “الحصار بالحصار” حتى الحصول على الحقوق المشروعة، محذرًا المملكة من أن أي انخراط في تصعيد شامل ستكون له تداعيات عليها، ومحملاً إياها مسؤولية إنهاء مرحلة خفض التصعيد بسبب استمرار الحصار. هذه التصريحات تلقي بظلالها على مستقبل أسواق الطاقة والتجارة الدولية، حيث يبقى اقتصاد المنطقة والعالم رهينًا للتطورات السياسية والأمنية في هذا الممر المائي الحيوي.
في ظل هذه التطورات، يرجح استمرار التصعيد البحري خلال الفترة المقبلة إذا لم يطرأ تغيير جوهري على مسار الأزمة اليمنية. استمرار عمليات قوات صنعاء ضد السفن السعودية، بالتوازي مع تأكيدها على أمن الممرات المائية للسفن الأخرى، يخلق ديناميكية معقدة في الملاحة في البحر الأحمر. هذه الديناميكية لا تؤثر فقط على الشحن والاستثمار في المنطقة، بل تمتد تداعياتها لتطال اقتصاد العالم بأسره، مع استمرار حالة عدم اليقين حول مستقبل تجارة النفط والسلع عبر أحد أهم الممرات المائية العالمية، مما يدعو إلى تساؤل حول مدى قدرة الجهود الدبلوماسية على إيجاد حل يضمن أمن الملاحة ويسهم في استقرار المنطقة.



