لأول مرة منذ عقود خلت، تعود الولايات المتحدة الأمريكية لتواجه شبح الديون المتراكمة التي تتجاوز حجم اقتصادها الكلي، في ظاهرة تعيد إلى الأذهان تحديات ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذه الأرقام المتصاعدة تثير قلقاً متزايداً بشأن الاستقرار المالي للدولة الأكبر اقتصادياً في العالم، وتضع صانعي القرار أمام معضلة حقيقية تتطلب حلولاً جذرية لاحتواء الأزمة المالية المتفاقمة، والتي تلقي بظلالها على أسعار السلع والخدمات ومستقبل الاستثمار.
تفاقم الديون وتحديات المالية العامة
تشير التقديرات الصادرة عن مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي إلى أن الدين الفيدرالي العام، الذي تحتفظ به الجهات العامة، سيقفز ليبلغ 101% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام المالي 2026. هذه النسبة مرشحة للارتفاع إلى 120% في عام 2036، متجاوزة بذلك الذروة التاريخية السابقة البالغة 106% التي سجلتها البلاد في عام 1946. وفي الوقت الراهن، وصل إجمالي الدين الحكومي الأمريكي إلى نحو 39.22 تريليون دولار أمريكي في يونيو الجاري، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين الإنفاق والإيرادات العامة. خدمة هذه الديون باتت تشكل عبئاً هائلاً على الميزانية، حيث يتوقع أن يصل العجز الفيدرالي إلى 1.9 تريليون دولار في عام 2026، ثم يتسع إلى 3.1 تريليونات دولار بحلول عام 2036. وتؤكد مؤسسة “Peter G. Peterson Foundation” أن صافي فوائد الدين تجاوز الإنفاق الدفاعي، ليصبح أحد أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي بعد الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، مما يبرز حجم الضغط المالي.
تأثير الديون على حياة المواطن والأسواق
لا يقتصر تأثير الديون الأمريكية المتزايدة على أروقة المؤسسات المالية، بل يمتد ليلامس حياة المواطن الأمريكي بشكل مباشر. مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة، تتصاعد تكلفة الاقتراض في مختلف القطاعات الاقتصادية. هذا يشمل الرهون العقارية وقروض السيارات والاستثمارات التجارية، مما يضع ضغوطاً إضافية على الأسر والشركات. ففي يونيو الجاري، بلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات نحو 4.45%، وهو مستوى أعلى بكثير من المعدلات التي سادت خلال العقد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية. هذه الزيادة انعكست بوضوح في سوق الإسكان، حيث بلغ متوسط فائدة الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عاماً نحو 6.52% في الأسبوع المنتهي في 11 يونيو 2026، مقارنة بمستويات قاربت 3% فقط في عام 2021. هذا التحول ضاعف تقريباً تكلفة تمويل شراء المنازل، ما جعل امتلاك منزل حلماً بعيد المنال لملايين الأمريكيين، ويشكل تحدياً اجتماعياً واقتصادياً كبيراً.
التضخم والآفاق المستقبلية للاقتصاد العالمي
تتزامن أزمة الديون الفيدرالية مع عودة التضخم بقوة إلى المشهد الاقتصادي والسياسي الأمريكي. فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.5% خلال مايو الماضي، وبنسبة 4.2% على أساس سنوي. وشهدت أسعار الطاقة قفزة بنسبة 23.5%، بينما ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 40.5% خلال العام. هذا التضخم المستمر يقلل من القوة الشرائية للدولار ويضغط على الميزانيات الأسرية، مما يزيد من صعوبة معيشة المواطنين. إن استمرار هذه الدوامة المالية، المتمثلة في الديون والتضخم وارتفاع أسعار الفائدة، قد لا يؤثر على الاستقرار الاقتصادي الداخلي للولايات المتحدة فحسب، بل قد يمتد ليشكل تحديات جمة للاقتصاد العالمي وأسواق الشحن والتجارة الدولية، مما يدفع المستثمرين لإعادة تقييم المخاطر وتأثير ذلك على استقرارهم المالي.
تبقى التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة الإدارة الأمريكية على معالجة هذه التحديات المالية المتشابكة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي قد تزيد من الضغوط السياسية. إن مستقبل الاقتصاد الأمريكي، واستقراره في مواجهة هذه الديون والعجز المالي المتفاقم، سيظل محور ترقب عالمي، لاسيما وأن تداعياته قد تتجاوز الحدود الجغرافية لتؤثر في مسارات الأسواق العالمية وأسعار النفط والاستثمار في مختلف القارات. (المصدر: مكتب الميزانية بالكونغرس) (المصدر: مؤسسة بيتر جي بيترسون)



