في ظل واقع اقتصادي يمني معقد، أعلن صندوق النقد الدولي مؤخرًا استئناف مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 مع المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية، بعد توقف دام أكثر من عقد. هذه الخطوة تحمل دلالات مهمة حول إمكانية بدء التعافي الاقتصادي في اليمن، رغم التحديات الهائلة التي لا تزال تواجه البلاد بعد سنوات من الصراع. فهل يمكن لليمن أن يتجاوز عقودًا من الأزمات نحو استقرار مستدام؟
بوادر تعافٍ هش ومؤشرات اقتصادية متناقضة
تعكس هذه المشاورات، التي صدر إعلانها في 3 أبريل 2026 من واشنطن، تحولاً بطيئاً من الانهيار الكامل نحو استقرار نسبي، لكنه يظل هشًا للغاية. فقد شهد الاقتصاد اليمني انكماشًا حادًا بلغ قرابة 10% في عام 2023، متأثرًا بشكل كبير بتوقف صادرات النفط في عام 2022، الذي كان يمثل شريان الحياة الرئيسي للنقد الأجنبي والإيرادات الحكومية. لكن تقرير صندوق النقد الدولي الأخير يشير إلى تباطؤ هذا الانكماش ليصل إلى نحو 0.5% في عام 2025.
هذا التحسن النسبي، وإن كان محدودًا، جاء نتيجة لتضافر عدة عوامل. أبرزها الدعم الخارجي من الشركاء الإقليميين والدوليين، واستمرار تدفقات تحويلات العاملين في الخارج، التي تشكل رافدًا مهمًا للاقتصاد. كما ساهمت جهود السلطات في تحقيق قدر من الاستقرار المالي، رغم الضغوط الهائلة الناتجة عن ارتفاع التضخم وتراجع سعر العملة، وما تبعه من انخفاض في مستويات الدخل الحقيقي للمواطنين.
تحديات كبرى تلوح في الأفق وتأثيرات الصراعات الإقليمية
لا تخفي هذه الأرقام الإيجابية المحدودة هشاشة الوضع الاقتصادي. فاحتياطيات اليمن الأجنبية بالكاد تغطي شهرًا واحدًا من الواردات الأساسية، التي تشمل الغذاء والطاقة والأدوية، مما يحدّ من قدرة البلاد على مواجهة الصدمات أو توسيع الإنفاق على الخدمات الضرورية. يضاف إلى ذلك، استمرار التوترات الإقليمية التي تلقي بظلالها على المشهد.
حذر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد اليمني لا يزال عرضة لمخاطر كبيرة، خاصة في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط. هذه الحرب تؤثر سلبًا على اليمن من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والوقود عالمياً، واضطراب سلاسل الشحن والتجارة العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على مستويات التضخم ويزيد الضغط على سعر الصرف المحلي، ويؤدي إلى مزيد من استنزاف الاحتياطيات. وتُظهر التوقعات أن الاقتصاد قد يشهد انكماشًا إضافيًا بنسبة 0.7% خلال العام الحالي، في ظل ضعف الاستهلاك الخاص وارتفاع الأسعار، إلى جانب تفاقم العجز الخارجي نتيجة لزيادة الواردات وضعف نمو الصادرات.
خطط مستقبلية وآمال في استعادة الزخم الاقتصادي
على الرغم من التحديات الراهنة، يحمل الأفق المتوسط بعض إشارات إيجابية، حيث يتوقع أن يبدأ الاقتصاد في استعادة زخمه تدريجياً ابتداءً من عام 2027. يُعزى هذا التوقع إلى تراجع معدلات التضخم المتوقعة، وتحسن مستويات الدخل الحقيقي، وتخفيف القيود المالية. كما يُتوقع أن تسهم تحويلات المغتربين المتزايدة ونمو الصادرات غير النفطية، خاصة في إطار ما يُعرف بـ”الخطة الزراعية” التي تتبناها السلطات لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، في دعم هذا المسار. للاطلاع على تقاريرنا السابقة حول الزراعة في اليمن.
يُتوقع أيضًا أن يسهم تحسن الإيرادات الحكومية بمرور الوقت في تعزيز قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والواردات الأساسية. هذه التطورات قد تخفف جزئياً من وطأة الأزمات وتفتح آفاقاً جديدة لـ الاستثمار الداخلي والخارجي، مما قد يدعم مساعي التعافي الاقتصادي في اليمن على المدى الطويل.
يبقى اليمن في مفترق طرق اقتصادي، حيث تتوقف مسيرة التعافي المستدام على توافقات سياسية أوسع واستقرار إقليمي يدعم جهود البناء، لتجاوز عقود من التحديات وتوفير حياة كريمة لملايين المواطنين. إن الطريق نحو استقرار الاقتصاد اليمني مزروع بالصعوبات، لكن الإقرار الدولي بالوضع وتقديم الدعم قد يمثل بداية نحو مستقبل أفضل، وإن كان هشاً.

