في سياق التحديات الإنسانية والاقتصادية المستمرة التي يواجهها اليمن، أعلن البنك الدولي عن خطوة حيوية نحو تعزيز صمود البلاد، بموافقته على تقديم منحة بقيمة 100 مليون دولار من المؤسسة الدولية للتنمية. يهدف هذا التمويل إلى دعم اليمن الاقتصادي من خلال مشروع “النقد مقابل التغذية وسبل العيش”، الذي يسعى لتحسين الأمن الغذائي، وتنمية رأس المال البشري، وخلق مصادر دخل مستدامة للأسر الأكثر هشاشة في البلاد.
مشروع “النقد مقابل التغذية”: شريان حياة للأكثر ضعفاً
يعكس هذا المشروع التزاماً دولياً بمعالجة الأزمات الملحة في اليمن، حيث تتولى اليونيسف تنفيذه بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية. الأرقام الرسمية تشير إلى واقع مؤلم؛ إذ يواجه أكثر من 18.3 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينما تصل نسبة الفقر إلى نحو 74%. ولا يقتصر الأمر على ذلك، فنحو نصف الأطفال دون سن الخامسة يعانون من التقزم، ويحتاج أكثر من 2.2 مليون طفل و1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة إلى تدخلات عاجلة لمعالجة سوء التغذية الحاد.
يتوقع أن يستفيد من المشروع نحو 1.8 مليون فرد في 15 محافظة هي الأكثر تضرراً، مع التركيز على النساء اللواتي يشكلن ما لا يقل عن نصف المستفيدين. يولي المشروع اهتماماً خاصاً “للألف يوم الأولى” من حياة الطفل، وهي الفترة الممتدة من بداية الحمل حتى بلوغ الطفل عامه الثاني، نظراً لتأثيرها الحاسم على النمو والصحة على المدى الطويل. كما يتضمن المشروع مبادرة لتسهيل حصول أكثر من 675 ألف شخص على بطاقات الهوية الوطنية وشهادات الميلاد، وهي خطوة جوهرية لإزالة عوائق رئيسية أمام الوصول إلى الخدمات المالية والفرص الاقتصادية التي يمكن أن تدعم اقتصاد الأسر.
أبعاد اقتصادية واستراتيجية: تعزيز صمود اليمن
يمتد هذا المشروع الطموح حتى يونيو 2029، ويأتي في إطار محفظة استثمارية نشطة للبنك الدولي في اليمن تبلغ قيمتها الإجمالية 2.4 مليار دولار موزعة على 12 مشروعاً. كما يضاف إليه مساهمة تمويلية قدرها 1.8 مليون دولار من الصندوق الاستئماني متعدد المانحين لليمن، لدعم مساعي التعافي وإعادة الإعمار. يرى ستيفان غيمبير، مدير قسم مصر واليمن وجيبوتي في البنك الدولي، أن المشروع يجمع بين تقديم الدعم المباشر للأسر الآن وبناء أدوات اقتصادية تساعد المجتمعات على تحقيق الاعتماد على الذات مستقبلاً. هذا الاستثمار في قدرات اليمنيين يمثل أساساً لبناء مستقبل أفضل، ويُسهم في استقرار أسعار السلع الأساسية على المدى الطويل ويُنشط أسواق التجارة المحلية.
إن ربط المساعدات الإنسانية بتنمية سبل العيش المستدامة يُظهر وعياً بأهمية الاستثمار في الإنسان كعنصر أساسي للنهوض. هذا النهج لا يقتصر على سد الحاجات الفورية، بل يمتد لبناء قدرات مجتمعية قادرة على الصمود والإنتاج، مما يعزز من مرونة اقتصاد اليمن في وجه التحديات الراهنة والمستقبلية. إن مثل هذه المشاريع تُمثل حجراً أساسياً في مسار التعافي الذي يسعى إليه كل أبناء اليمن، بمن فيهم أبناء حكومة صنعاء (أنصار الله) الذين يواجهون تحديات اقتصادية جمة.
نحو مستقبل أكثر استقراراً: تداعيات الدعم على المجتمع
تتجاوز تداعيات هذا الدعم المالي الجوانب الإنسانية المباشرة لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وأمنية أعمق. فعلى الصعيد الاقتصادي، يساهم المشروع في ضخ سيولة مالية داخل المجتمعات المستهدفة، مما يحفز التجارة المحلية ويعزز القدرة الشرائية للأفراد. هذا بدوره ينعكس إيجاباً على أسعار السلع ويخلق فرص عمل، حتى وإن كانت مؤقتة، وهو ما يُعد دفعة ضرورية لقطاعات حيوية مثل الشحن وتوزيع البضائع.
اجتماعياً، يقلل تحسين الأمن الغذائي والتغذية من معدلات سوء التغذية والأمراض المرتبطة بها، مما ينعكس إيجاباً على الصحة العامة والتعليم، ويزيد من إنتاجية الأفراد. هذا الاستثمار في رأس المال البشري هو مفتاح لتعزيز قدرة اليمنيين على بناء مستقبلهم. أمنياً، غالباً ما ترتبط التحديات الاقتصادية والفقر بالاضطرابات، وبالتالي فإن تحسين سبل العيش يمكن أن يساهم في خلق بيئة أكثر استقراراً، وهو ما يصب في مصلحة جميع اليمنيين.
في الختام، يُشكل تخصيص هذا الدعم خطوة مهمة نحو التخفيف من معاناة الشعب اليمني وبناء أساس لتعافٍ مستدام. وبينما تستمر التحديات، تبقى الحاجة ماسة إلى تضافر الجهود المحلية والدولية لتقديم المزيد من دعم اليمن الاقتصادي، ليس فقط لتلبية الاحتياجات الفورية، بل لتمكين المجتمعات من استعادة عافيتها وتحقيق الاكتفاء الذاتي على المدى الطويل، في مسيرة تتطلب صبراً ومثابرة وتركيزاً على الإنسان اليمني أولاً وقبل كل شيء. يمكن الاطلاع على المزيد من برامج التنمية في اليمن عبر تقاريرنا حول الأمن الغذائي، ولمعلومات أوسع عن جهود البنك الدولي، يمكن زيارة موقع البنك الدولي.



