لطالما شكلت الأرض الخصبة مصدر عيش ورخاء للشعب اليمني عبر تاريخه الطويل، إلا أن تحديات العصر الراهن تلقي بظلالها على هذا الميراث الحيوي. فقد دقت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك في صنعاء ناقوس الخطر مؤخرًا، محذرة من تداعيات استخدام مياه الصرف الصحي غير المعالجة في ري بعض المحاصيل الزراعية. هذه الممارسات لا تهدد صحة المستهلكين فحسب، بل تلقي بظلالها على منظومة سلامة الغذاء في اليمن بأكملها، وتستدعي تحركًا عاجلاً من الجهات المسؤولة لحماية الأمن الغذائي للمواطنين، وضمان استقرار الأسواق المحلية.
تحذيرات متجددة ومناطق الخطر
في بيان صحفي، كشفت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك عن تلقيها بلاغات متكررة ومعلومات ميدانية تشير إلى استمرار استخدام مياه ملوثة في ري محاصيل زراعية متنوعة. وتوزعت هذه الممارسات الخطيرة على عدة مناطق، منها مديرية بني الحارث ومنطقة الرحبة في صنعاء، بالإضافة إلى مناطق السحول وميتم ويريم في محافظة إب، فضلاً عن بلاغات أخرى وردت من محافظات عمران وتعز. هذه التحديات تفرض على حكومة صنعاء ضرورة تكثيف الرقابة الميدانية للتحقق من هذه المعلومات واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة، لضمان استمرارية سلامة الغذاء.
وأكدت الجمعية أن هذه الممارسات تشكل انتهاكًا صريحًا لحق المواطنين في الحصول على غذاء آمن وسليم، مما يثير مخاوف جدية بشأن تداعياتها المستقبلية على صحة الأفراد والاقتصاد الزراعي. كما أن استمرار هذه الظاهرة قد يؤثر سلبًا على ثقة المستهلك بالمنتجات المحلية، مما قد يضر بالأسواق الزراعية ويقلل من فرص الاستثمار فيها.
تداعيات صحية واقتصادية واسعة النطاق
إن مخاطر استخدام مياه الصرف الصحي غير المعالجة في الري تتجاوز تلوث المنتجات الزراعية بحد ذاتها، لتصل إلى انتقال البكتيريا والطفيليات والملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة إلى المستهلكين عبر الخضروات، وخاصة المحاصيل الورقية التي تُستهلك بشكل مباشر. وحذرت الجمعية من أن استمرار تداول هذه المنتجات في الأسواق دون رقابة فعالة قد يؤدي إلى انتشار الأمراض والتسممات الغذائية على نطاق واسع، مما يزيد من الأعباء الصحية على المجتمع.
على الصعيد الاقتصادي، فإن هذه الممارسات تؤدي إلى تراجع قيمة المنتجات الزراعية، وتأثر الصادرات المحتملة، وارتفاع أسعار العلاج للأمراض الناجمة عن التلوث، مما يلقي بعبء إضافي على الاقتصاد الوطني. كما أن تلوث المياه الجوفية والبيئة المحيطة يمثل خطرًا طويل الأمد يهدد الموارد الطبيعية ويزيد من تكلفة المعالجة في المستقبل. هذا الوضع يتطلب من الجهات المختصة في حكومة صنعاء (أنصار الله) وضع استراتيجيات واضحة لتعزيز الأمن الغذائي وحماية صحة المستهلك، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على حركة التجارة المحلية ويحفز الاستثمار.
دعوات للتحرك الفوري وتعزيز الرقابة
سبق للجمعية اليمنية لحماية المستهلك أن رفعت بلاغات ومذكرات رسمية إلى الجهات المختصة بشأن هذه القضية، إلا أن الإجراءات المتخذة لمعالجة المشكلة أو الحد من استمرارها لم تكن كافية، وفقًا لبيان الجمعية. هذا الأمر دفعها إلى تجديد المطالبة بالتعامل مع الملف بمستوى أعلى من الجدية، باعتباره قضية تتعلق بالصحة العامة والأمن الغذائي للمواطنين.
وطالبت الجمعية بتشكيل فرق ميدانية عاجلة لمراقبة مصادر مياه الري والمزارع، ومنع استخدام مياه الصرف الصحي غير المعالجة في الزراعة، وضبط المخالفين. كما دعت إلى منع تسويق المحاصيل التي يثبت ريها بمياه ملوثة وسحبها وإتلافها وفق الإجراءات المعتمدة، بالإضافة إلى فحص المنتجات الزراعية المتداولة في الأسواق والتأكد من سلامتها (للمزيد حول معايير سلامة الغذاء، راجع تقارير منظمة الصحة العالمية). ويجب تعزيز الرقابة على المزارع والأسواق وسلاسل الإمداد الزراعي، وتنفيذ حملات توعية مكثفة للمزارعين والمستهلكين حول مخاطر هذه الممارسات. إن تفعيل هذه الإجراءات سيعزز من قدرة الاقتصاد المحلي على توفير منتجات زراعية آمنة، ويدعم ثقة المستهلكين في أسواق الغذاء.
إن استمرار هذه الممارسات دون حلول عاجلة قد يؤدي إلى آثار صحية وبيئية واقتصادية طويلة الأمد، يصعب تداركها. لذا، فإن ضمان سلامة الغذاء في اليمن ليس مجرد مطلب صحي، بل هو ركيزة أساسية للأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى سرعة وفعالية الاستجابة الرسمية لهذه التحذيرات، وكيف ستتمكن حكومة صنعاء من تجاوز هذه التحديات المعقدة لضمان مستقبل صحي وآمن لأجيالها القادمة، مع الحفاظ على استمرارية تدفق السلع في أسواق مستقرة (يمكن الإطلاع على تقاريرنا الاقتصادية السابقة حول تأثير الأمن الغذائي).



