وسط مشاهد مؤلمة تعصف باليمن، حيث يتربع بأسى على رأس قائمة الدول الأكثر هشاشة في أمنها الغذائي، تلوح في الأفق ملامح أزمة إنسانية متجددة تهدد حياة الملايين. فبعد فترة هدوء مؤقتة لم تدم طويلاً، تشير تحليلات برنامج الغذاء العالمي إلى أن البلاد تتجه نحو تدهور حاد في وضعها الغذائي، مما يضع الأمن الغذائي في اليمن على المحك مجدداً، وسط تحديات اقتصادية وسياسية متصاعدة.
تحسن موسمي زائف وواقع مرير
شهد الربع الأول من العام الجاري 2026 تحسناً طفيفاً ومؤقتاً في معدلات الاستهلاك الغذائي، لم يكن نابعاً من تعافٍ اقتصادي حقيقي، بل استند كلياً إلى عوامل موسمية بحتة. فقد لعبت التحويلات المالية للمغتربين والمبادرات المجتمعية خلال شهر رمضان المبارك دوراً في خفض نسبة السكان الذين يعانون من نقص الغذاء إلى نحو 50% بحلول شهر مارس، منهم 25% يواجهون حرماناً غذائياً حاداً يهدد حياتهم مباشرة. إلا أن هذا الهدوء سرعان ما تبدد مع انقضاء عطلة عيد الفطر وتوقف تدفق المساعدات الموسمية، ليكشف عن وجه الأزمة الحقيقي والقاتم، وينذر بارتداد عكسي عنيف ومخيف في منحنى الجوع.
تداعيات اقتصادية إقليمية وتضخم متصاعد
تشير تقديرات برنامج الغذاء العالمي إلى أن نسبة اليمنيين الذين سيفتقرون إلى الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية ستتجاوز حاجز الـ 60% بحلول نهاية الربع الثاني من عام 2026. وما يزيد المشهد تعقيداً هو ارتدادات الحرب الإقليمية المشتعلة، التي تلقي بظلالها الثقيلة على مسارات الاستيراد وسلاسل الإمداد، مما ينذر بموجات تضخمية جديدة ستوسع الفجوة بين قدرة المواطن الشرائية وتكلفة سلة الغذاء الأساسية، لاسيما في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية التي ترزح تحت وطأة الفقر المدقع. وقد استُنفدت تماماً قدرة الأسر اليمنية على الصمود بعد سنوات عجاف من الانهيار الاقتصادي المتواصل، حيث أبلغ ما يقارب 74% من الأسر عن انخفاض حاد أو انقطاع كلي في مصادر دخلها الشهري، بزيادة 7% عن العام الماضي. هذا الشلل الاقتصادي انعكس على أسعار السلع الأساسية وقطاع التجارة، مما أثر سلباً على اقتصاد البلاد ككل.
النازحون واستراتيجيات البقاء القاسية
في قلب هذه المأساة، تبرز قضية النازحين داخلياً كجرح غائر، حيث لا يزال اليمن يمثل خامس أكبر أزمة نزوح داخلي عالمياً. يعيش هؤلاء النازحون في ظروف مأساوية تفتقر لأبسط مقومات الحياة، خصوصاً في المخيمات العشوائية. تظهر الأرقام أن القدرة على تأمين الغذاء تدهورت بشكل مرعب بين صفوفهم؛ ففي شهر مارس الماضي، عانى ما يقرب من اثنين من كل خمسة نازحين من جوع يتراوح بين المتوسط والحاد، وهو معدل يعادل ضعف ما يسجله بقية السكان. هذا الوضع دفع ثلثي الأسر اليمنية إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية وخطيرة، كتقليل عدد الوجبات أو الاعتماد على أغذية رخيصة تفتقر للقيم الغذائية، مما ينذر بكارثة سوء تغذية حادة ستفتك بالأطفال والنساء الحوامل. ورغم محاولات بعض التدابير السياسية في مناطق نفوذ المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية ومناطق حكومة صنعاء للحفاظ على استقرار هش لسعر الصرف، إلا أن ذلك لم ينعكس إيجاباً على أسواق الغذاء أو على مائدة المواطن، مع تبخر نحو 60% من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي منذ بدء الحرب في عام 2015.
إن المشهد في اليمن يتجاوز كونه أزمة غذائية عابرة ليصبح مرآة تعكس تعقيدات الصراعات الإقليمية والدولية وتأثيراتها المدمرة على حياة الشعوب. ففي ظل استمرار حالة عدم الاستقرار وغياب حلول جذرية تنهي الصراع وتدعم الاستثمار في البنية التحتية وقطاعات النفط والشحن، تظل آمال الملايين معلقة على تدخلات إنسانية دولية قد لا تكون كافية لتغيير مسار بلد على حافة الهاوية. يبقى السؤال الأهم: هل سيجد اليمن طريقه نحو تعافٍ مستدام، أم أن دوامة الجوع ستستمر في حصد المزيد من الأرواح؟



