لطالما كان اليمن، بوابة التجارة القديمة، محوراً للتوترات الجيوسياسية التي غالباً ما تلقي بظلالها على حياة مواطنيه. وفي سياق هذه التحديات المتواصلة، يحذر تقرير جديد صادر عن شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS) من أن اليمن يواجه موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية والمعيشية خلال الفترة الممتدة حتى سبتمبر 2026، مع تفاقم أزمة المعيشة والشحن في اليمن نتيجة لتداخل العوامل المحلية مع تداعيات الصراع الإقليمي الأوسع، مما ينذر بارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية وتكاليف التأمين البحري.
تفاقم الضغوط الاقتصادية وتكاليف الشحن
يُتوقع أن يشهد الاقتصاد اليمني تصاعداً في أسعار السلع الأساسية، مدفوعاً بزيادة رسوم الشحن والتأمين التي تفرضها شركات النقل البحري. هذه الزيادات، التي تصل إلى نحو 3000 دولار لكل حاوية، تمثل عبئاً مباشراً على تكلفة الواردات، مما يعني انتقالها حتماً إلى المستهلك النهائي. ورغم محاولات سلطات حكومة صنعاء والمجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية فرض رقابة على الأسعار، إلا أن فعاليتها تبدو محدودة وتتراجع تدريجياً مع استمرار الاضطرابات، مما يفتح الباب أمام انتقال واسع للتضخم إلى الأسواق المحلية.
تؤكد التقديرات أن التوترات في البحر الأحمر لا تزال تشكل عاملاً ضاغطاً على قطاع الشحن البحري، فمجرد التهديد بتصعيد جديد كفيل برفع تكاليف التأمين البحري وتقليص حركة التجارة. ورغم عدم وجود مؤشرات فورية على إغلاق مضيق باب المندب، فإن استمرار المخاطر يدفع شركات الشحن إلى تقليل نشاطها، مما يؤدي إلى انخفاض الواردات وتراجع الإمدادات، الأمر الذي ينعكس سلباً على أسواق السلع ويساهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود.
تداعيات على الأمن الغذائي وسبل العيش
يتجه الوضع الغذائي في اليمن نحو مزيد من التدهور، حيث تشير التقديرات إلى استمرار حالة الطوارئ في محافظات حيوية مثل الحديدة وحجة وتعز حتى نهاية سبتمبر المقبل، بينما تسود حالة الأزمة في بقية المناطق. يرتبط هذا التدهور بعوامل متراكمة، منها ضعف فرص الدخل، وتراجع النشاط في موانئ البحر الأحمر، وارتفاع الضرائب، إضافة إلى المنافسة الحادة على فرص العمل نتيجة تزايد أعداد النازحين. تدفع هذه الظروف الأسر إلى تقليص استهلاك الغذاء واللجوء إلى وسائل تكيف قاسية، ما يعمّق من مستويات الهشاشة المعيشية.
في المناطق الريفية، تزداد أزمة المعيشة والشحن في اليمن تعقيداً مع تدهور المراعي وارتفاع أسعار الأعلاف، مما ينعكس مباشرة على قطاع الثروة الحيوانية، أحد أهم مصادر الدخل للأسر الفقيرة. ومع حلول موسم الجفاف بين يونيو وأغسطس، يُتوقع أن تضطر هذه الأسر إلى بيع مواشيها بأسعار منخفضة، ما يؤدي إلى خسارة مزدوجة تتمثل في فقدان الأصول وتراجع الدخل، وبالتالي انخفاض القدرة الشرائية إلى مستويات أدنى بكثير من المعتاد. هذا الوضع يهدد بتعميق مستويات الفقر ويزيد من الحاجة إلى الدعم الإنساني العاجل.
المشهد الاقتصادي المعقد في المناطق المختلفة
في المناطق التي يديرها المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية، تستمر حالة الأزمة مع احتمال انزلاق بعض الأسر إلى مستويات الطوارئ، نتيجة استمرار التدهور الاقتصادي وضعف سوق العمل. ورغم وجود تحسن موسمي محدود في الطلب على العمالة الزراعية خلال فترة الربيع، إلا أن هذا التحسن لا يدوم طويلاً، إذ يعود الطلب للانخفاض لاحقاً، بينما تبقى فرص العمل الأخرى محدودة، ما يترك شريحة واسعة من الأسر غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية.
يُعد الاعتماد الكبير لليمن على الواردات عاملاً رئيسياً في تعميق هذه الأزمة، إذ يتأثر الاقتصاد اليمني بشكل مباشر بأي اضطراب في التجارة أو أسعار النفط والطاقة. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، يُتوقع أن يواجه البلد صدمات في إمدادات الوقود وارتفاعاً في تكلفته، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار النقل والإنتاج والسلع. كما أن القدرات المالية المحدودة للسلطات في مختلف المناطق تقلل من قدرتها على امتصاص هذه الصدمات أو دعم الأسواق لفترات طويلة، مما يجعل المشهد الاقتصادي أكثر هشاشة وتعقيداً.
إن التحديات الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها اليمن، والتي يتوقع أن تمتد حتى أواخر عام 2026، هي نتيجة لتفاعل معقد بين عوامل داخلية وإقليمية. فمن ارتفاع تكلفة الشحن البحري وتأثيرها على أسعار السلع، إلى تدهور سبل العيش وتفاقم أزمة الأمن الغذائي، يجد المواطن اليمني نفسه أمام واقع صعب يتطلب حلولاً شاملة ومستدامة. يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الأطراف المعنية على إيجاد مسارات تخفف من هذه الأعباء وتفتح آفاقاً جديدة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، في ظل استمرار التوترات الأمنية التي لا تزال تلقي بظلالها على مستقبل البلاد ومسار الاستثمار والتنمية.

