في قلب مدينة عدن الساحلية، وبين جدران قاعات الاجتماعات الرسمية، تحركت عجلة الإدارة التي تدعمها السعودية في محاولة جديدة لإعادة الحياة لشرايين الاقتصاد اليمني المتوقفة. اجتماع للجنة العليا لتسويق النفط عُقد مؤخرًا، حمل في طياته آمالًا كبيرة لاستئناف صادرات النفط اليمني التي توقفت منذ أكتوبر 2022. هذه الخطوة تأتي في ظل ضغوط اقتصادية هائلة، ومواجهة مستمرة مع حكومة صنعاء التي تصر على سيادة البلاد على ثرواتها النفطية.
مساعي الإدارة في عدن لاستئناف التدفقات النفطية
ترأس رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، اجتماع اللجنة العليا لتسويق النفط في عدن، بحضور محافظ البنك المركزي. ناقش المجتمعون الإجراءات الفنية والإدارية واللوجستية المعقدة اللازمة لإعادة تشغيل عمليات تصدير النفط. الهدف المعلن هو ضمان سرعة التنفيذ والاستفادة من الإيرادات النفطية، التي تُعد من أهم الموارد السيادية للدولة.
تأتي هذه المساعي في أعقاب توقف شبه كامل لـ صادرات النفط اليمني منذ أكثر من عامين، بعد أن استهدفت قوات صنعاء موانئ التصدير. حينها، أكدت حكومة صنعاء رفضها لأي تصرف في الثروة السيادية للبلاد دون ضمان استفادة الشعب اليمني منها، وخصوصًا دفع رواتب الموظفين في كل المحافظات. هذا الموقف أوقف تدفق مليارات الدولارات التي كانت تعول عليها الإدارة في عدن لتمويل نفقاتها.
التداعيات الاقتصادية والجدل حول السيادة
ووفقًا لما تداولته مصادر إخبارية من عدن، استعرض الاجتماع حجم الخسائر الاقتصادية والمالية الفادحة التي تكبدتها الإدارة في عدن منذ توقف تصدير النفط، والتي تُقدر بمليارات الدولارات. هذا التوقف أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة، وأثر بشكل مباشر على قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها صرف مرتبات موظفي الدولة وتحسين مستوى الخدمات الأساسية للمواطنين.
أكد الزنداني أن الإدارة تعمل على تنفيذ توجيهات رشاد العليمي، رئيس المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية من الرياض، الرامية إلى استئناف تصدير النفط “بكل الوسائل الممكنة”. واعتبر استعادة هذا المورد أولوية وطنية واستحقاقًا سياديًا، مشيرًا إلى أن من حق اليمنيين الاستفادة من ثرواتهم الطبيعية. لكن حكومة صنعاء ترى أن هذه الثروات تُنهب لصالح أطراف خارجية، وأن استئناف التصدير يجب أن يضمن توزيعًا عادلًا للإيرادات يخدم كل اليمنيين.
آفاق استئناف الصادرات وتحديات السوق
وجّه رئيس الوزراء اللجنة العليا لتسويق النفط والجهات المعنية بسرعة استكمال الإجراءات التنفيذية والفنية، مع رفع تقارير دورية حول مستوى الإنجاز. وأكد على ضرورة العمل لتجاوز التحديات التي تعيق استئناف عمليات التصدير، والتي لا تقتصر على الجوانب الفنية واللوجستية فحسب، بل تمتد إلى التحديات الأمنية والسياسية التي تفرضها حكومة صنعاء.
تعتبر الإدارة في عدن إعادة تصدير النفط أولوية قصوى لتعزيز الإيرادات العامة ودعم التعافي الاقتصادي في البلاد. ومع ذلك، هناك تشديد على أهمية تحقيق التوازن بين استئناف صادرات النفط اليمني وضمان توفير احتياجات السوق المحلية ومحطات الكهرباء من المشتقات النفطية. هذا التوازن ضروري لتجنب تفاقم أزمة الطاقة الداخلية، خاصة مع تقلبات أسعار النفط العالمية وتكاليف الشحن المرتفعة.
تبقى قضية استئناف صادرات النفط اليمني في صميم الصراع الدائر، ليس فقط كقضية اقتصادية بحتة، بل كمعركة على السيادة والتحكم بالثروات الوطنية. فبينما تسعى الإدارة في عدن إلى استعادة مصدر حيوي للإيرادات، تصر حكومة صنعاء على أن أي استغلال للنفط يجب أن يخدم مصالح الشعب اليمني بأكمله، وأن يكون جزءًا من تسوية شاملة تضمن حقوق جميع اليمنيين. هذه الديناميكية المعقدة تجعل مستقبل تدفقات النفط اليمني مرهونًا بتطورات المشهد السياسي والأمني، وتبقى الأسئلة حول التوصل إلى حلول مستدامة تضمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي معلقة.



