مع حلول أغسطس، تترقب المرتفعات اليمنية الغربية والوسطى بشيء من القلق والأمل ذروة الأمطار الصيفية في اليمن، التي تتوقعها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بأن تكون غزيرة بشكل استثنائي. هذه الأمطار، ورغم أهميتها الحيوية للزراعة وتغذية المياه الجوفية، تحمل معها مخاطر جمة للفيضانات المفاجئة، ما يضع الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي على المحك، ويستدعي استعدادات عاجلة لمواجهة تداعياتها المتوقعة.
توقعات مناخية وتحديات متزايدة
تشير توقعات الفاو إلى أن الفترة من الأول وحتى العاشر من أغسطس الجاري ستشهد هطول أمطار رعدية متوسطة إلى غزيرة، قد تتجاوز 200 ملم في محافظات حيوية مثل إب وذمار وصنعاء. هذه الكميات الكبيرة من الأمطار ترفع منسوب القلق بشأن مخاطر الفيضانات المفاجئة، خصوصًا في أحواض سهام وزبيد، بينما تُصنف أحواض مور وسردود ودنة وطوبان وبنا ضمن مستوى الخطر المنخفض. على النقيض، من المتوقع أن تشهد سهول تهامة والمناطق الجنوبية والهضبة الشرقية أمطارًا خفيفة ومتفرقة، مع احتمال يقارب 50% لهطول أمطار أقل من المعدل الطبيعي في تهامة والمرتفعات الشمالية والمناطق الشرقية. يرافق ذلك استمرار الأجواء شديدة الحرارة، حيث تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية في الصحاري الشمالية والشرقية، مما يزيد من مخاطر الإجهاد الحراري على السكان والمحاصيل والثروة الحيوانية، ويضيف عبئًا جديدًا على قطاع الزراعة الذي يُعد عصب اقتصاد البلاد.
تأثير الأمطار على الزراعة والأمن الغذائي
لـ تأثير الأمطار على الزراعة وجهان في اليمن. فمن جهة، تُعد الأمطار الغزيرة نعمة تسهم في تحسين رطوبة التربة واستقرار نمو المحاصيل الأساسية مثل الذرة الرفيعة والدخن والذرة والسمسم والبن، كما تعزز المراعي وتزيد من تغذية البرك والخزانات والمياه الجوفية الضحلة، وهي موارد حيوية في بلد يعاني من شح المياه. هذه الإيجابيات يمكن أن تدعم الأمن الغذائي في اليمن وتقلل من الحاجة إلى الاستيراد، مما يؤثر إيجابًا على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية. ولكن من جهة أخرى، هناك تحذيرات جادة من الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالمدرجات الزراعية والمحاصيل والبنية التحتية الزراعية بسبب فيضانات اليمن المتوقعة، بالإضافة إلى تآكل التربة وارتفاع مخاطر الأمراض الفطرية والبكتيرية التي تهدد المحاصيل، مما قد يعكس سلبًا على جهود التعافي الاقتصادي.
دعوات للحصاد المائي وأثرها الاقتصادي
في ظل هذه التحديات المناخية، دعت الفاو المزارعين إلى استكمال زراعة المحاصيل المطرية في المناطق التي تلقت أمطارًا كافية، وإلى صيانة قنوات تصريف المياه، ومراقبة انتشار الأمراض الزراعية بفاعلية. كما نصحت بتجنب الزراعة أو الرعي في مجاري الأودية أثناء الأمطار الغزيرة، والاهتمام بحماية الماشية من الإجهاد الحراري. الأهم من ذلك، شددت المنظمة على ضرورة توسيع استخدام منشآت حصاد مياه الأمطار، وهو استثمار حيوي يمكن أن يخفف من آثار تغير المناخ في اليمن ويحسن من مرونة القطاع الزراعي. هذه التدابير لا تساهم فقط في حماية الأرواح والممتلكات، بل تمثل أيضًا فرصة لتعزيز التجارة المحلية في المنتجات الزراعية وتثبيت أسعار الغذاء، مما يدعم اقتصاد البلاد ويقلل من الاعتماد على الدعم الخارجي.
إن ذروة الأمطار الصيفية في اليمن تمثل تحديًا وفرصة في آن واحد. فبينما تحمل معها مخاطر الفيضانات التي قد تعرقل جهود التنمية، فإن الإدارة الفعالة للموارد المائية والاستثمار في البنية التحتية الزراعية المستدامة يمكن أن تحول هذه الأمطار إلى مصدر قوة ومرونة للشعب اليمني. يبقى السؤال حول مدى قدرة الجهات المعنية والمجتمعات المحلية على التكيف مع هذه التقلبات المناخية واستغلالها لصالح اقتصاد البلاد وأمنها الغذائي المستقبلي. يمكن الاطلاع على المزيد من تقارير الفاو حول اليمن هنا. اقرأ تقريرنا السابق عن الأمن الغذائي في اليمن.



