على الساحل الشرقي لليمن، حيث تتلاطم أمواج بحر العرب على شواطئ شبوة، يبرز ميناء قنا النفطي كنقطة ارتكاز لصراع خفي بين أروقة السلطة، ملقياً بظلاله على الاقتصاد الوطني. فبينما صدرت توجيهات رئاسية صارمة بإغلاق الميناء ومنع استقبال أي سفن، تكشف وزارة النقل التابعة للمجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية عن تحركات جادة لاعتماده رسمياً، مما يضع ملف أسواق النفط والشحن في اليمن أمام تناقضات عميقة تهدد استقرار التجارة والإيرادات العامة.
توجيهات الإغلاق مقابل تحركات الاعتماد: صراع مكشوف
تكشف وثيقة متداولة، منسوبة إلى مكتب المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية، عن توجيهات رئاسية صارمة تقضي بالتنفيذ الكامل لقرار إغلاق ميناء قنا النفطي في شبوة. هذه التوجيهات تمنع استقبال أي سفن حتى استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، وتحذر من مخاطر استيراد مشتقات نفطية غير مطابقة للمواصفات، مما يهدد البيئة والمعدات. كما تشير الوثيقة إلى أن استمرار العمل في الميناء بالمخالفة يمكن أن يفتح الباب أمام عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، نتيجة لغياب التحقق من مصادر الأموال المستخدمة في الاستيراد، ويحرم الدولة من الإيرادات الضريبية والجمركية الضرورية.
في المقابل، أعلنت وزارة النقل التابعة للمجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية عن بدء إجراءات رسمية لاعتماد مشروع ميناء قنا النفطي. وأكدت الوزارة أن تحركاتها تأتي بناءً على توجيهات رئيس مجلس الوزراء ونتائج اجتماع حكومي عُقد برئاسة رئيس المجلس الرئاسي ذاته. هذا التناقض يضع الميناء، الذي يُعد شرياناً حيوياً لحركة الشحن وتجارة النفط، في مهب الريح، ويعكس تحديات كبيرة في التنسيق داخل هيكل السلطة.
وتطالب الوثيقة الرئاسية محافظ شبوة، عوض محمد بن الوزير، بتقديم تقرير تفصيلي حول السفينة “جوفيتا” (Jovita) التي رست في ميناء قنا وأفرغت شحنتها رغم قرار الإغلاق. هذا التقرير يجب أن يتضمن اسم المستورد، وشهادة منشأ الشحنة، ومصدر تمويلها، ووثائق تحويل قيمة الصفقة، بالإضافة إلى تقارير الفحص الفني للمشتقات النفطية. ويشير هذا التحقيق إلى جدية المخاوف بشأن الشفافية والالتزام بالمعايير الدولية في الميناء.
تداعيات اقتصادية وسياسية على المشهد اليمني
هذا التناقض حول ميناء قنا النفطي يحمل في طياته تداعيات اقتصادية وسياسية عميقة. فغياب الوضوح حول وضع الميناء يؤثر سلباً على حركة التجارة البحرية، ويزيد من تكلفة الشحن، مما ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويزيد من الأعباء على المواطن اليمني. كما أن حرمان الدولة من الإيرادات الضريبية والجمركية، بسبب عدم تنظيم عمليات الاستيراد، يفاقم من الأزمة المالية ويزيد الضغط على العملة المحلية، مما يؤثر على قدرة المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية على توفير الخدمات الأساسية.
على الصعيد السياسي، يكشف هذا التناقض عن ضعف في التنسيق وصراع على الصلاحيات داخل أروقة المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية. هذا الوضع قد يغذي حالة عدم الاستقرار، ويسهم في تعقيد المشهد السياسي المتأزم أصلاً. إن السماح باستيراد مشتقات نفطية غير مطابقة للمواصفات أو من جهات خاضعة للعقوبات الدولية، كما أشارت الوثيقة، يهدد سمعة اليمن في الأسواق العالمية ويزيد من عزلتها الاقتصادية.
وفي سياق أوسع، يمكن أن تستفيد قوى مثل أنصار الله (الحوثيون) من هذه التناقضات لتسليط الضوء على فشل الجهات التي تقودها السعودية في إدارة الموارد الحيوية للبلاد، وتقديم نفسها كبديل أكثر استقراراً وفاعلية في إدارة الاقتصاد اليمني. إن تعزيز دور الموانئ في دعم الاقتصاد الوطني وتنمية الإيرادات العامة، كما ناقشت وزارة النقل، يمثل هدفاً حيوياً لا يمكن تحقيقه في ظل هذه البيئة المتضاربة.
مستقبل ميناء قنا: بين الإغلاق والتنظيم
يضع ملف ميناء قنا النفطي علامة استفهام كبيرة حول مسار اليمن الاقتصادي. فهل يتجه المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية نحو تثبيت قرار الإغلاق ومحاسبة المسؤولين عن مخالفته؟ أم أن هناك مساعٍ لإعادة تنظيم الميناء وتمهيد الطريق لاعتماده رسمياً بما يضمن الشفافية والامتثال للمعايير الدولية؟ إن النقاش حول ميناء قنا وغيره من الموانئ التي يُنظر إليها بوصفها خارج السيطرة الكلية، يبرز الحاجة الملحة إلى رؤية موحدة وإدارة فعالة للموارد الاقتصادية اليمنية.
إن استقرار أسواق النفط والشحن، وتحصيل الإيرادات الحكومية، ومكافحة الفساد، كلها عوامل حاسمة لمستقبل اليمن. وسواء كان الحل في الإغلاق المؤقت لترتيب الأوراق أو في إعادة الهيكلة الشاملة، فإن اتخاذ قرار حاسم وشفاف بشأن ميناء قنا النفطي سيحدد الكثير من التوجهات الاقتصادية والسياسية في المرحلة القادمة، ويؤثر بشكل مباشر على حياة الملايين من اليمنيين الذين يترقبون أي بصيص أمل في استقرار بلادهم.



