شبه الجزيرة نت | الشحن
يشهد قطاع الشحن العالمي مرحلة دقيقة من إعادة التوازن، في ظل تراجع ملحوظ في أسعار شحن الحاويات من جهة، واستمرار تدفقات النفط الروسي عبر أساطيل يونانية رغم تشديد العقوبات من جهة أخرى، بالتزامن مع مؤشرات على عودة تدريجية لحركة الملاحة في البحر الأحمر.
هذه التطورات المتزامنة تعكس مشهداً معقداً تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، وتعيد تشكيل ديناميكيات التجارة البحرية العالمية.
يشهد قطاع الشحن العالمي مرحلة دقيقة من إعادة التوازن، في ظل تراجع ملحوظ في أسعار شحن الحاويات من جهة، واستمرار تدفقات النفط الروسي عبر أساطيل يونانية رغم المخاطر، بالتزامن مع مؤشرات على عودة تدريجية لحركة الملاحة في البحر الأحمر.
تراجع أسعار شحن الحاويات للأسبوع الثاني على التوالي
سجّل مؤشر دروري الأسبوعي لأسعار شحن الحاويات العالمية انخفاضاً حاداً بنسبة 10%، ليصل إلى 2,212 دولاراً للحاوية (40 قدماً)، مواصلاً تراجعه للأسبوع الثاني على التوالي. ويُعد هذا الانخفاض مؤشراً واضحاً على تراجع الضغوط التي شهدتها سلاسل الإمداد خلال الأشهر الماضية، خاصة على الطرق التجارية الرئيسية.
ويعود هذا التراجع بشكل أساسي إلى انخفاض الأسعار على طرق التجارة عبر المحيط الهادئ، إضافة إلى المسارات الرابطة بين آسيا وأوروبا، وهي من أكثر الخطوط البحرية نشاطاً على مستوى العالم. ويعكس ذلك تراجع الطلب الموسمي، إلى جانب تحسن نسبي في توافر السعات التشغيلية وعودة بعض الخطوط للعمل بوتيرة أكثر انتظاماً.
هذا الانخفاض يمنح المستوردين والمصدرين هامش تنفس مؤقت، لكنه في المقابل يضغط على هوامش أرباح شركات الشحن، التي كانت قد استفادت من مستويات أسعار مرتفعة خلال فترات اضطراب الإمدادات العالمية.
سوق الشحن بين التباطؤ التجاري وإعادة ضبط الأسعار
يرى محللون أن تراجع مؤشر دروري لا يعني بالضرورة دخول قطاع الشحن في مرحلة ركود، بل يعكس عملية إعادة ضبط للأسعار بعد فترات من التقلبات الحادة. فالتجارة العالمية ما زالت تواجه تحديات تتعلق بأسعار الفائدة، وتباطؤ بعض الاقتصادات الكبرى، وتغير أنماط الطلب الاستهلاكي.
كما أن المنافسة المتزايدة بين شركات الشحن، وعودة بعض السفن التي كانت متوقفة، أسهمت في زيادة العرض النسبي من الحاويات، ما انعكس مباشرة على مستويات الأسعار، خاصة على الخطوط الطويلة عالية الكلفة.
ملاك السفن اليونانيون يواصلون شحن النفط الروسي
في مسار موازٍ، يواصل ملاك السفن اليونانيون لعب دور محوري في شحن النفط الروسي، رغم المخاطر المرتبطة بالعقوبات الأمريكية والغربية. وتُظهر البيانات أن العوائد المرتفعة ما زالت تشكّل حافزاً قوياً للاستمرار في هذا النشاط، في ظل الطلب المستمر من الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الهند.
وبحسب تقارير اقتصادية، بلغ متوسط سعر نقل خام الأورال الروسي من ميناء بريمورسك إلى الساحل الغربي للهند أكثر من 60 دولاراً للطن، مقارنة بنحو 25 دولاراً فقط في بداية العام الماضي. هذا الارتفاع الكبير يعكس ما يُعرف بـ “علاوة المخاطر”، التي تعوض شركات الشحن عن التحديات القانونية والتأمينية المرتبطة بالعقوبات.
العوائد المرتفعة تعيد رسم خريطة المخاطر
رغم القيود التنظيمية، لا يزال نقل النفط الروسي يمثل نشاطاً مربحاً لعدد من شركات الشحن، خصوصاً تلك التي تمتلك أساطيل قديمة أو تعمل خارج نطاق شركات التأمين الغربية الكبرى. هذا الواقع يسلط الضوء على محدودية تأثير العقوبات عندما تتقاطع مع مصالح اقتصادية مباشرة وعوائد مرتفعة.
في المقابل، يثير هذا التوجه مخاوف متزايدة بشأن سلامة الملاحة، والامتثال البيئي، واحتمالات تشديد إضافي في الإجراءات الرقابية خلال المرحلة المقبلة، ما قد يرفع كلفة الشحن أو يحد من عدد السفن العاملة في هذا المسار.
البحر الأحمر يعود تدريجياً إلى خارطة الشحن
في تطور لافت، أشار موقع لويدز ليست البريطاني المتخصص في تحليلات الشحن إلى أن اليونان وروسيا تتصدران عودة حركة الشحن إلى البحر الأحمر، بعد فترة من التراجع الحاد بسبب التوترات الأمنية. كما أظهرت البيانات أن دولاً أخرى بدأت باللحاق بهذا التوجه خلال الفترة الحالية.
هذه العودة التدريجية تعكس محاولات شركات الشحن موازنة المخاطر الأمنية مع كلفة الالتفاف عبر طرق بديلة أطول، مثل رأس الرجاء الصالح، والتي ترفع زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتشغيل.
حسابات معقدة بين الأمن والكلفة
قرار العودة إلى البحر الأحمر لا يستند فقط إلى تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية، بل يرتبط أيضاً بارتفاع تكاليف المسارات البديلة، خاصة في ظل تقلب أسعار الوقود. ومع استمرار الضغوط على هوامش الربح، تجد بعض الشركات نفسها مضطرة للمخاطرة المدروسة من أجل الحفاظ على تنافسيتها.
في الوقت ذاته، فإن أي تصعيد أمني مفاجئ قد يعيد خلط الأوراق، ويؤدي إلى انسحابات سريعة من هذا الممر الحيوي، ما ينعكس مباشرة على أسعار الشحن وسلاسل الإمداد العالمية.
قراءة شاملة لمشهد الشحن العالمي
يعكس المشهد الحالي لقطاع الشحن العالمي حالة من التباين الواضح: تراجع في أسعار شحن الحاويات، مقابل استمرار ارتفاع عوائد شحن النفط، وعودة انتقائية للملاحة في مناطق عالية الحساسية الجيوسياسية. هذا التباين يعكس طبيعة القطاع الذي يتأثر بشكل مباشر بتقاطع التجارة والطاقة والسياسة.
وفي ظل هذه المتغيرات، من المرجح أن يبقى قطاع الشحن عرضة لموجات من التقلب، حيث ستحدد التطورات الجيوسياسية، ومستويات الطلب العالمي، والسياسات التنظيمية، الاتجاه العام للأسعار وحركة الأساطيل خلال الأشهر المقبلة.
يمكن القول إن قطاع الشحن العالمي يقف اليوم عند نقطة مفصلية، تتطلب من الشركات والمستثمرين قراءة دقيقة للمخاطر والفرص. فبين انخفاض تكاليف الحاويات، وارتفاع عوائد شحن الطاقة، وعودة جزئية للممرات البحرية الحساسة، تتشكل خريطة جديدة للملاحة الدولية، عنوانها الأبرز: مرونة عالية.. ومخاطر مستمرة.