شبه الجزيرة نت | دولي | الحرب الإيرانية
مع تصاعد العمليات العسكرية في إطار المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، برزت سياسة الاغتيالات كأداة رئيسية تستهدف قيادات الصف الأول في النظام الإيراني.
وتأتي هذه العمليات في سياق محاولة إضعاف مراكز القرار، عبر ضرب شخصيات سياسية وأمنية تمثل أعمدة أساسية في هيكل الدولة.
وشهدت الفترة الأخيرة سلسلة اغتيالات طالت شخصيات بارزة، من بينها قائد الثورة في إيران السيد علي خامنئي، وعلي لاريجاني، إلى جانب قيادات عسكرية، ما أثار تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة النظام على الصمود، أو احتمالات تأثر بنيته المؤسسية بهذه الضربات المتتالية.
هيكل النظام الإيراني.. مركزية القيادة وتعدد المؤسسات
يقوم النظام الإيراني على بنية هرمية معقدة، يتصدرها المرشد الأعلى بوصفه صاحب الكلمة الفصل في القضايا الاستراتيجية.
ويأتي بعده رئيس الجمهورية، إلى جانب مؤسسات مؤثرة مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي كان يتولى أمانته لاريجاني، ويُعد من أهم مراكز صنع القرار في البلاد.
ويضم هذا المجلس شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، ويضطلع بمهام رسم السياسات الدفاعية والأمنية، بل وحتى الاقتصادية المرتبطة بالأمن القومي.
كما يلعب الحرس الثوري الإيراني دوراً محورياً في حماية النظام، إلى جانب قوات الباسيج التي تنتشر في مختلف المدن وتُعنى بضبط الأمن الداخلي.
اغتيال لاريجاني.. خسارة سياسية مركبة
يمثل اغتيال لاريجاني، وفق تقديرات محللين، ضربة تتجاوز البعد الأمني إلى المجال السياسي والاستراتيجي، نظراً لما كان يتمتع به من موقع مركزي داخل النظام.
فقد جمع بين الخبرة السياسية والعلاقات الأمنية، وكان يُنظر إليه كأحد أبرز رجال المرحلة الانتقالية بعد خامنئي.
ويشير مراقبون إلى أن لاريجاني لم يكن مجرد مسؤول إداري، بل كان حلقة وصل بين مراكز القوى المختلفة، ما منحه قدرة على إدارة التوازنات الداخلية.
كما أن خبرته في الملف النووي جعلت منه شخصية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في أي مسار تفاوضي محتمل، وهو ما يضفي على غيابه المحتمل أبعاداً إضافية.
استهداف الباسيج.. بين الرمزية والتأثير الميداني
إلى جانب القيادات السياسية، طالت الاغتيالات قادة عسكريين، من بينهم قائد قوات الباسيج، وهو تشكيل أمني واسع الانتشار داخل إيران.
وتُعد هذه القوات جزءاً من منظومة الأمن الداخلي، حيث تنتشر في المدن وتلعب دوراً في ضبط الاستقرار.
ورغم أن اغتيال قياداتها يمثل ضربة رمزية، فإن طبيعة هذا التشكيل القائم على الانتشار الواسع والتدرج التنظيمي قد تحد من تأثير ذلك على المستوى التنفيذي.
ومع ذلك، فإن استهداف قياداته يعكس رغبة في الضغط على أدوات السيطرة الداخلية، وليس فقط مراكز القرار السياسي.
هل يتأثر النظام أم يعيد إنتاج نفسه؟
تطرح هذه التطورات سؤالاً محورياً: هل تؤدي الاغتيالات إلى إضعاف النظام الإيراني، أم تدفعه إلى إعادة ترتيب نفسه؟ تشير تجارب سابقة داخل إيران إلى قدرة المؤسسات على امتصاص الصدمات، عبر آليات تعويض سريعة وإعادة توزيع الأدوار داخل المنظومة.
كما أن طبيعة النظام، التي تقوم على تعدد مراكز القوى وتداخلها، تمنحه قدراً من المرونة في مواجهة مثل هذه الضربات.
وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن الاستهدافات قد تؤدي إلى تشديد التماسك الداخلي، بدلاً من تفكيكه، خاصة في ظل خطاب يعتبر هذه العمليات جزءاً من مواجهة أوسع.
تداعيات إقليمية وتوازنات جديدة
لا تقتصر آثار هذه الاغتيالات على الداخل الإيراني، بل تمتد إلى الإقليم، حيث ترتبط إيران بشبكة من الحلفاء ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة.
وقد يؤدي استهداف قيادات بارزة إلى إعادة تشكيل آليات التنسيق داخل هذا المحور، أو دفعه نحو خيارات أكثر حذراً أو تصعيداً.
وفي المقابل، قد تسهم هذه التطورات في تعقيد أي مساعٍ للتهدئة، خاصة مع غياب شخصيات كانت تمتلك خبرة في إدارة التفاوض.
وبين من يرى في هذه العمليات محاولة لإعادة رسم المشهد، ومن يعتبرها عاملاً لتعزيز الصمود، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة في مرحلة توصف بأنها من الأكثر حساسية في تاريخ إيران الحديث.

