مع شروق الشمس على الموانئ البرازيلية، تتجه سفن الشحن العملاقة محملة بالديزل الحيوي نحو آفاق عالمية جديدة، مدفوعة بحركة تجارية نشطة تعكس تحولاً استراتيجياً في قطاع الطاقة. في ظل تباطؤ نمو الطلب المحلي وتأخر الزيادات المقررة في نسب مزج الوقود، تشهد صادرات الديزل الحيوي البرازيلي طفرة ملحوظة، حيث تتجاوز 20% على أساس سنوي، مما يعزز مكانة البرازيل في أسواق الطاقة المستدامة العالمية ويبحث عن فرص استثمار جديدة.
توسع الأسواق العالمية: دفعة لصادرات الديزل الحيوي البرازيلي
تُظهر البيانات الصادرة عن أمانة التجارة الخارجية البرازيلية (Secex) أن البرازيل صدّرت نحو 76 ألف متر مكعب من الديزل الحيوي بين يناير ويوليو 2026. هذه الكمية تمثل زيادة تتجاوز 20% مقارنة بالعام الماضي، وتتخطى مستويات السنوات الثلاث السابقة بشكل لافت. إذا استمرت وتيرة التصدير الحالية، فقد تتمكن البرازيل من تحقيق أعلى مستوياتها التاريخية في هذا القطاع.
لم يقتصر التوسع على حجم الصادرات فحسب، بل شمل أيضاً تنوع الوجهات. فبعد أن كانت الصادرات تقتصر على 4 إلى 5 دول بين عامي 2022 و2024، اتسعت القائمة لتشمل 6 دول في عام 2025، ثم 9 دول في عام 2026. تظل هولندا وسويسرا وبلجيكا من أبرز هذه الأسواق، مما يعكس اهتماماً أوروبياً متزايداً بالوقود الحيوي البرازيلي. في يوليو الماضي، شملت الشحنات البارزة شحنتين إلى هولندا: واحدة من مصنع شركة “بوتنشال” في بارانا، بلغت 6 آلاف متر مكعب بقيمة 7.25 ملايين دولار، والأخرى من مصنع شركة “بتروبراس للوقود الحيوي” في باهيا، بحجم 5 آلاف متر مكعب وقيمة 5.8 ملايين دولار، مما يؤكد الجدوى الاقتصادية لهذه التجارة.
الفرص الاقتصادية والتحديات: علاوات أوروبية وتكاليف شحن مرتفعة
تستهدف الشركات البرازيلية أسواقاً محددة في أوروبا، خاصة تلك التي تقدم علاوات سعرية للديزل الحيوي المصنوع من المواد الخام منخفضة الكربون والنفايات. يمكن لهذه المنتجات، مثل الديزل الحيوي المصنوع من زيت الطهي المستعمل وزيت الذرة التقني، أن تحصل على علاوة تتراوح بين 20 و50 دولاراً للطن المتري في السوق الأوروبية، نظراً لانخفاض انبعاثاتها الكربونية. هذه العلاوات تجعل التصدير مجدياً للغاية، وتحفز أربعة مصانع أخرى على الأقل في جنوب البرازيل والوسط الغربي للبحث عن فرص تصدير مماثلة، حيث حصل أحد المنتجين بالفعل على شهادة للسوق الأوروبية ويخطط لبدء التصدير قريباً. هذا التوجه يسهم في تعزيز اقتصاد الوقود الحيوي البرازيلي.
ومع ذلك، لا يخلو هذا التوسع من تحديات. ففي الوقت الذي يسعى فيه المنتجون البرازيليون لاستغلال الطاقة الإنتاجية الفائضة وتجنب تباطؤ الطلب المحلي، تواجههم عقبة ارتفاع تكاليف الشحن العالمية. هذه الزيادة، المرتبطة جزئياً بالاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، قد تؤثر على هوامش الربح وتقلل من جاذبية التصدير على المدى الطويل. تُظهر أسعار المواد الخام المستخدمة في صناعة الديزل الحيوي، مثل زيت الطهي المستعمل وزيت الذرة التقني، تقلبات، حيث بلغ سعر زيت الطهي المستعمل 5200 ريال برازيلي للطن في ساو باولو وزيت الذرة التقني 6340 ريالاً للطن في ماتو غروسو، مما يضيف تحدياً آخر للمنتجين في إدارة التكاليف.
مستقبل الوقود الحيوي: بين استدامة الصادرات وتقلبات السوق
يرى موزعون برازيليون أن الصادرات الحالية ستظل هامشية ولن تسبب نقصاً في السوق المحلية، لكنهم يعربون عن شكوكهم حول استدامتها إذا تغيرت الظروف العالمية. إن ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن عالمياً يمنح الوقود الحيوي البرازيلي فرصة مؤقتة، لكن السوق المحلي لا يوفر علاوة سعرية كافية للمنتج. هذا الوضع يدفع الشركات نحو الأسواق الخارجية كأداة لتنويع الإيرادات واستغلال الطاقة الإنتاجية الفائضة، خصوصاً للمنتجات المصنوعة من النفايات، التي تحظى بتقدير بيئي واقتصادي في أوروبا.
إن استمرار هذا المسار يعتمد بشكل كبير على عوامل متعددة: بقاء الفارق السعري الجذاب في أوروبا، استقرار تكاليف الشحن، تطور سياسات مزج الوقود في البرازيل، وتقلبات أسواق الطاقة العالمية، بما في ذلك أسعار النفط. هذا المشهد المعقد يجعل من تجارة الوقود الأخضر البرازيلي قصة ديناميكية تتطلب متابعة مستمرة لفهم تأثيراتها الاقتصادية والبيئية على المدى الطويل. تحليل أوسع للاقتصاد البرازيلي قد يكشف عن مزيد من الفرص والتحديات.



