في خطوة تاريخية قد تعيد تعريف النموذج الاقتصادي الأمريكي، تتجه الولايات المتحدة نحو تبني فكرة لطالما كانت حكراً على اقتصادات التصدير والدول النفطية: تأسيس صندوق الثروة السيادي الأمريكي. هذا التحول الجذري، الذي يهدف إلى تعظيم إدارة الثروة الوطنية وتوزيع أرباح الشركات على المواطنين، يثير نقاشاً واسعاً حول دور الدولة في الاقتصاد وتأثيره المحتمل على أسواق المال والاستثمار.
تحول في المشهد الاقتصادي الأمريكي: من التنظيم إلى الاستثمار السيادي
لطالما تميز النموذج الاقتصادي الأمريكي بدوره المحدود للدولة، حيث اقتصر نشاطها على التنظيم والاقتراض والإنفاق. لكن هذا المفهوم يشهد تحولاً ملحوظاً، مع تزايد الاهتمام بامتلاك الدولة للأصول الاستراتيجية والاستثمار المباشر. هذا التوجه ليس حكراً على واشنطن؛ فدول غربية مثل كندا وأيرلندا والبرتغال وإسبانيا بدأت بالفعل في تبني صناديق الثروة السيادية كأداة لتعزيز التصنيع المحلي وتسريع التقدم في قطاعات حيوية كالذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.
خلال فترة رئاسته، طرح الرئيس السابق دونالد ترامب مبادرة تهدف إلى إنشاء صندوق ثروة سيادي لتعظيم إدارة الثروة الوطنية بما يحقق المنفعة الحصرية للمواطنين الأمريكيين. ومع ذلك، لا يزال المشروع يواجه عقبات جوهرية، أبرزها غياب هيكلية واضحة للجهة التي ستتولى إدارته وعدم وجود مصدر ثابت للتمويل. محاولات سابقة لربط التمويل بعوائد بيع عمليات شركة “تيك توك” في أمريكا أو إيرادات الرسوم الجمركية باءت بالفشل، مما ترك الصندوق يفتقر إلى نواة مالية متماسكة رغم الاستثمارات الحكومية المبعثرة في قطاعات الرقائق والحوسبة الكمية.
جدل الذكاء الاصطناعي وتوزيع الأرباح: حصة المواطنين من الطفرة التقنية
من بين المقترحات الأكثر إثارة للجدل، ذلك الذي يحظى بتأييد نادر يجمع الإدارة الأمريكية بخصمها اللدود، السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، حول إنشاء صندوق يستند إلى حصص في شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”. يبرر ساندرز هذا التوجه بأن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بُنيت أساساً على المعرفة الجماعية للمجتمع، مما يبرر حق المواطنين في الحصول على نصيب من عوائدها، مقترحاً استحواذ الدولة على حصص تصل إلى 50% مع توزيع أرباح دورية على الأمريكيين.
المثير للاهتمام أن قادة شركات التقنية، وعلى رأسهم سام ألتمان، أبدوا انفتاحاً على هذه الفكرة، حيث اقترح ألتمان منح الحكومة حصة قدرها 5% لتمكين المواطنين من المشاركة في مكاسب الطفرة التقنية وتوفير نوع من الحماية الاجتماعية من تداعياتها على سوق العمل. تستلهم الولايات المتحدة تجربتها من نجاحات صناديق عالمية كبرى، مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي يدير أصولاً تتجاوز 900 مليار دولار، و”تيماسيك هولدينغز” السنغافورية التي تتجاوز أصولها 500 مليار دولار، مما يعزز فكرة أن الاستثمار السيادي يمكن أن يكون محركاً قوياً للنمو والعدالة الاقتصادية. يرى المدافعون عن هذه الصناديق أنها وسيلة لتعويض دافعي الضرائب الذين تحملوا تكاليف إنقاذ الشركات خلال الأزمات، كما حدث في أزمة البنوك عام 2008 أو خلال جائحة كورونا.
مخاطر وتداعيات على مستقبل الاستثمار والاقتصاد الأمريكي
على الرغم من الجاذبية الظاهرية لفكرة صندوق الثروة السيادي الأمريكي، تتصاعد التحذيرات من خبراء مثل مايكل مادويل، مؤسس معهد صناديق الثروة السيادية، الذي يشير إلى أن بيئة الاستقطاب السياسي الحاد في أمريكا قد تقوّض هذه الفكرة. فالتجارب المحلية في صناديق تقاعد الولايات أثبتت أن التدخلات السياسية في معايير الاستثمار غالباً ما تؤدي إلى تذبذب في القرارات، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تتمتع بالانضباط الكافي لإدارة صندوق سيادي بمعزل عن رياح السياسة المتقلبة. يمتد القلق أيضاً إلى المخاوف من تشويه قوى السوق الطبيعية وتأثير ذلك على أسعار الأصول ومناخ الاستثمار الخاص، مما قد يعيق الابتكار ويزيد من التدخل الحكومي في تحديد مسارات النمو الاقتصادي.
إن إنشاء صندوق الثروة السيادي الأمريكي يمثل أكثر من مجرد أداة مالية جديدة؛ إنه يعكس تحولاً عميقاً في الفلسفة الاقتصادية للبلاد، ويثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الرأسمالية الأمريكية. فهل تتمكن واشنطن من إيجاد التوازن بين تعظيم الثروة الوطنية وحماية حرية الأسواق من التدخلات السياسية، أم أن هذه الخطوة ستفتح الباب أمام تحديات غير مسبوقة في إدارة الاقتصاد والاستثمار على المدى الطويل؟



