تشير أرقام صادمة إلى أن ما يقرب من 40% من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز قد توقفت تماماً، في مؤشر خطير على تصاعد ظاهرة “العبور المظلم بمضيق هرمز” للسفن وناقلات النفط هرباً من التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التباطؤ غير المسبوق يهدد ليس فقط أمن الشحن، بل يلقي بظلاله الثقيلة على استقرار أسعار النفط وأسواق الطاقة العالمية، مع تزايد المخاوف من تأثيرات اقتصادية بعيدة المدى.
تصاعد العبور المظلم بمضيق هرمز وتأثيره على حركة الملاحة
في قلب مضيق هرمز الحيوي، تتزايد أعداد السفن التجارية وناقلات النفط التي تلجأ إلى التلاعب بشبكات الملاحة وإطفاء أجهزة التتبع الآلي الخاصة بها. هذه الممارسات السرية، التي تُعرف بـ “العبور المظلم”، جاءت في أعقاب تجدد الهجمات العسكرية والمناوشات بين واشنطن وطهران، مما دفع حركة الملاحة في المضيق إلى تباطؤ ملحوظ. وقد كشفت شركة “AXSMarine” المتخصصة في البيانات البحرية أن السلوك السري تضاعف بشكل لافت، حيث أقدمت عشرات السفن والناقلات على تعطيل أنظمة التعرف الآلي لتفادي رصدها وسط أجواء النزاع المشحونة. البيانات التحليلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي من شركة “ويندوارد” أكدت أن قرابة 40% من إجمالي حركة المرور عبر الممر قد توقفت تماماً، مسجلة أعلى مستوى ركود لها.
هذا التراجع الحاد في النشاط الملاحي كان واضحاً، حيث أفادت شركة “كبلر” لتعقب الناقلات بانخفاض عدد السفن العابرة إلى 22 سفينة فقط يوم الخميس، مقارنة بـ30 سفينة في اليوم السابق. اللافت أن هذا التراجع شمل شبه انعدام للملاحة في الطريق العُماني الآمن تقليدياً، حيث اتجهت السفن القليلة المتبقية نحو المسارات القريبة من الساحل الإيراني كخيار اضطراري، مما يعكس مستوى القلق المتصاعد لدى شركات الشحن العالمية التي تبحث عن أي ثغرة لتأمين عبورها.
تداعيات اقتصادية وأمنية على أسواق الطاقة العالمية
تتجاوز تأثيرات “العبور المظلم بمضيق هرمز” مجرد تعطيل حركة السفن لتصل إلى قلب الاقتصاد العالمي، وخاصة أسواق النفط. أطلق الاتحاد الدولي لمالكي ناقلات النفط المستقلين “إنترتانكو” تحذيراً شديد اللهجة لأعضائه، مؤكداً أن الجدال العسكري الراهن هو الأشد والأوسع جغرافياً مقارنة بانهيارات وقف إطلاق النار السابقة. هذا التحذير يتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رسمياً انتهاء الهدنة، متوعداً بالرد الصارم على أي تحرك إيراني، وهو ما يعزز التكهنات الدولية باحتمالية إعادة فرض واشنطن حصاراً بحرياً شاملاً على الموانئ الإيرانية. مثل هذا الحصار قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، مع تزايد تكاليف الشحن والتأمين.
في هذا السياق المتوتر، رصدت منصة تانكر تراكرز استنفاراً لوجستياً في طهران، حيث ضخت إيران “ما لا يقل عن 10 ملايين برميل من النفط الخام وزيت الوقود في ليلة واحدة فقط”، ليرتفع حجم شحناتها المهربة منذ تعليق الحصار في منتصف يونيو إلى 60 مليون برميل. لكن المنصة نبهت إلى معضلة خانقة تواجه طهران، إذ قد يتسبب الحصار الأمريكي المرتقب في احتجاز وتراكم ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط والمنتجات المكررة داخل منشآتها العاجزة عن التصدير. هذه التطورات تحمل في طياتها مخاطر جسيمة على إمدادات الطاقة العالمية، وقد تؤثر بشكل مباشر على استقرار اقتصاد الدول المستوردة للنفط.
مضيق هرمز: نقطة اشتعال جيوسياسية واقتصادية
يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره ما يقرب من 30% من إجمالي النفط المنقول بحراً، مما يجعله شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي. تصاعد التوترات الحالية حول “العبور المظلم بمضيق هرمز” يبرز الأهمية الجيوسياسية للمنطقة، حيث أعلنت طهران فرض سيطرتها على المضيق، بينما تؤكد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن الممر المائي ما زال مفتوحاً ومتاحاً للعبور. وقد ذكرت سنتكوم أنها ساعدت منذ أوائل مايو في تسهيل مرور أكثر من 800 سفينة تجارية و380 مليون برميل من النفط الخام، نافيةً السيطرة الإيرانية الكاملة.
ومع ذلك، فإن هذه الأرقام لا تخفي حقيقة تقلص حجم الأسطول التجاري في الخليج العربي، حيث انسحب ثلث الأسطول من المنطقة، مما يدل على أن المخاطر الأمنية باتت تحدياً كبيراً أمام أمن الملاحة والاستثمار في المنطقة. هذه الديناميكية المعقدة بين القوى الإقليمية والدولية تخلق بيئة غير مستقرة لـ التجارة العالمية، وتدفع الشركات إلى البحث عن بدائل مكلفة أو تحمل مخاطر أعلى، مما يؤثر على هوامش الربح ويزيد من تكلفة السلع للمستهلكين حول العالم.
إن استمرار ظاهرة “العبور المظلم بمضيق هرمز” ليس مجرد تكتيك مراوغة بحري، بل هو انعكاس لأزمة أمنية واقتصادية عميقة تتكشف فصولها في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. مع تزايد التكهنات بشأن الحصار المحتمل وتأثيراته على الاستثمار وإمدادات النفط، يبقى السؤال الأبرز هو: إلى متى يمكن للعالم أن يتحمل هذه التقلبات في منطقة حيوية كهذه قبل أن تتأثر أسواق الطاقة بشكل لا رجعة فيه، وما هي الخطوات التي ستتخذها القوى الكبرى لضمان استقرار هذا الممر الحيوي؟ التحديات كبيرة، والحلول تبدو بعيدة المنال في ظل استمرار التصعيد.



