لطالما كان مضيق هرمز شريانًا حيويًا يربط منتجي النفط في الخليج بالأسواق العالمية، محركًا لعجلة الاقتصاد العالمي. اليوم، وفي خضم توترات متصاعدة، تتجه الأنظار نحو مقترحات أوروبية جديدة بشأن رسوم الملاحة في هرمز، تسعى لتأمين هذا الممر المائي الاستراتيجي عبر نموذج طوعي مستوحى من تجربة مضيق ملقا. هذه التحركات الدبلوماسية تأتي في وقت حرج، حيث تتسارع الجهود لنزع فتيل انفجار محتمل يهدد حركة التجارة الدولية وأسعار النفط.
مقترحات أوروبية لرسوم طوعية: نموذج ملقا
في خطوة تهدف إلى تجنب فرض رسوم قسرية وصفت بأنها كارثية، تدرس العواصم الأوروبية حاليًا مقترحات لفرض رسوم خدمات ملاحية غير إلزامية على السفن العابرة لمضيق هرمز. هذه المبادرة، التي تقودها سلطنة عُمان بالتعاون مع خبراء قانونيين بريطانيين، تسعى لصياغة آلية تعاون إقليمي تضمن أمن وسلامة الملاحة وحماية البيئة. ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، فإن هذا النموذج مستوحى من تجربة مضيق ملقا، ويرتكز على مساهمات طوعية لتمويل الخدمات الأساسية، بعيدًا عن أي إجراءات قد تحتجز الملاحة الدولية رهينة.
الهدف الرئيسي لهذه المقترحات هو إيجاد حل مستدام يحافظ على تدفق حركة الشحن والتجارة عبر المضيق دون فرض أعباء إضافية أو إثارة مزيد من التوترات. وتُعد هذه الخطوة بالغة الأهمية للحفاظ على استقرار أسعار النفط العالمية وتجنب أي اضطرابات قد تؤثر سلبًا على اقتصاد الدول المستهلكة والمنتجة.
تصعيد التوترات وأثرها على أمن الممرات المائية
تأتي هذه المقترحات الفنية وسط أجواء عسكرية بالغة الخطورة وتلاسن غير مسبوق بين واشنطن وطهران. فقد أعلن الرئيس الأمريكي رسميًا انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، موجهاً تحذيرات لإيران من أي محاولات لاستهدافه، في تصعيد للخطاب العسكري. وجاء هذا الوعيد الأمريكي الحاد رداً على تصريحات المرشد الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، متعهدًا بالثأر لمقتل والده، وهو ما فسره البعض بصراعات خفية داخل أجنحة الحكم في طهران.
على الصعيد الميداني، كانت حدة القتال قد تصاعدت بعد قصف الطيران الأمريكي لأكثر من 150 هدفًا عسكريًا للحرس الثوري في جنوب إيران، ردت عليها الأخيرة بقصف صاروخي طال القواعد الأمريكية في الكويت والبحرين. هذه التطورات تضع أمن الملاحة في الممرات المائية الدولية على المحك، وتثير مخاوف جدية بشأن مستقبل التجارة العالمية.
وتواجه المنظمة البحرية الدولية (IMO) مأزقًا إنسانيًا معقدًا بعد تراجع طهران عن اتفاق سابق كان يتيح إجلاء آلاف البحارة العالقين عبر ممر جنوبي آمن، ما دفع الأمم المتحدة إلى تعليق خطتها مؤقتًا. في المقابل، تصر بحرية الحرس الثوري على منع التدخل الأجنبي وإلزام السفن بسلوك الممر الشمالي الخاضع لسيطرتها، مما يعكس الخلافات العميقة حول السيادة البحرية.
الدبلوماسية في مسقط: تفسيرات متعارضة لاتفاق إسلام آباد
على المسار الدبلوماسي الموازي، وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سلطنة عمان لإجراء محادثات طارئة تتمحور حول سلامة الملاحة وأزمة الممرات المائية. جاءت الزيارة بالتزامن مع توجيه عراقجي اتهامات مباشرة لواشنطن بخرق “مذكرة تفاهم إسلام آباد”، عقب إلغاء الولايات المتحدة الإعفاءات النفطية التي كانت تتيح لطهران بيع خامها بالدولار الأمريكي. هذه الخطوة العقابية اتخذتها واشنطن بعد موجة هجمات استهدفت السفن التجارية في المضيق.
ويدور الخلاف الجوهري الآن حول تفسير المادة الخامسة من مذكرة التفاهم الموقعة الشهر الماضي. فبينما تحث واشنطن السفن على العبور الحر، مستندة إلى تسهيلها مرور 800 سفينة منذ مايو الماضي، تتمسك طهران بأن المذكرة تمنحها سيادة مؤقتة لتنظيم حركة السير وتحديد الطرق البحرية لمدة 60 يومًا فقط. هذا التباين في التفسيرات يعقد جهود التوصل إلى تسوية بعيدة المدى عبر “نموذج ملقا الطوعي”، الذي يبقى الاختبار الأخير لمنع إغلاق الشريان النفطي العالمي بصورة دائمة، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على أسواق الطاقة وقطاع الاستثمار العالمي. لمزيد من التحليلات حول التطورات الإقليمية، يمكنكم زيارة قسم أخبار إقليمية لدينا.
إن مستقبل رسوم الملاحة في هرمز، سواء كانت طوعية أو قسرية، سيعتمد بشكل كبير على مدى قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على تجاوز الخلافات السياسية وتغليب لغة الحوار. فالرهان هنا لا يقتصر على تكلفة عبور السفن، بل يمتد ليشمل استقرار اقتصاد النفط العالمي وسلامة التجارة الدولية برمتها، في منطقة لا تحتمل المزيد من التصعيد. يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنجح الدبلوماسية في احتواء الأزمة وتقديم حلول مستدامة تضمن تدفق الطاقة والتجارة؟



