هل تكشف وثائق مسربة عن أزمة عميقة داخل أروقة السلطة المدعومة من السعودية في اليمن؟ تعود قضية تمويل المجلس الانتقالي الجنوبي إلى واجهة الجدل السياسي والإعلامي، بعد أن أظهرت مستندات رسمية أن مخصصات الوقود والتغذية لقواته صُرفت بتوجيهات مباشرة من رشاد العليمي، رئيس المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات المتبادلة حول مسؤولية اعتماد هذه الأموال وتجميد حسابات بنكية تابعة للمجلس الانتقالي.
كواليس التمويل: وثائق رئاسية تكشف المستور
تُظهر وثائق حصل عليها موقع “بقش” أن مدير مكتب رئاسة الجمهورية، يحيى الشعيبي، أحال توجيهات رئاسية بتاريخ 3 ديسمبر 2025 إلى رئيس الوزراء آنذاك، سالم بن بريك. هذه التوجيهات تتعلق باعتماد صرف مستحقات الوقود والتغذية الخاصة بالقوات العسكرية والأمنية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي عن شهر نوفمبر 2025. المذكرة تؤكد أن توجيهات رئيس المجلس الرئاسي قضت باتخاذ الإجراءات اللازمة للصرف “أسوة بالأشهر السابقة لعام 2024”. وفي اليوم التالي، وجه رئيس الوزراء نائب وزير المالية باعتماد وصرف هذه المستحقات، مستنداً إلى مذكرة رئاسة الجمهورية وتوجيهاتها. هذه التفاصيل تضع قضية تمويل المجلس الانتقالي في سياق معقد من القرارات الرسمية المتبادلة.
تزامن هذا الكشف مع نفي الدائرة المالية للقوات المسلحة الجنوبية، التابعة للمجلس الانتقالي، لوجود 14 مليار ريال يمني محجوزة قضائياً تعود للمجلس أو قياداته. وذكر البيان، الذي اطلعت عليه “بقش”، أن المبلغ يمثل مستحقات تغذية رسمية عن شهري أكتوبر ونوفمبر 2025، وأنها أقرت وصرفت بموجب إجراءات ومذكرات رسمية من رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ووزارة المالية ووزارة الدفاع. هذه المستحقات، وفقاً للبيان، لم تصل إلى القوات حتى الآن، متهمةً السلطات المدعومة من السعودية بحجز الأموال داخل البنك ومنع تسليمها. وتؤكد الدائرة أن الأموال هي موازنات تشغيلية معتمدة، وليست مخصصات سياسية أو دعماً لقيادات المجلس.
تداعيات اقتصادية وسياسية: صراع النفوذ وأثر التمويل
تأتي هذه القضية في خضم توتر سياسي متصاعد بين المجلس الانتقالي، الذي كان مدعوماً إماراتياً وتم حله في السعودية، وبين الحكومة المدعومة من المملكة. الاتهامات المتبادلة حول ملفات التمويل والإدارة العسكرية والنفوذ السياسي في المحافظات الجنوبية باتت جزءاً من المشهد اليومي. يرى مؤيدو المجلس الانتقالي أن الوثائق تمثل دليلاً قاطعاً على اعتراف السلطة الرئاسية رسمياً بقوات المجلس وتخصيص موازنات تشغيلية لها، قبل اندلاع التوترات نهاية عام 2025 التي أدت إلى إقصاء المجلس من المشهد السياسي وانسحاب الإمارات من اليمن، بدفع من السعودية. هذه التطورات تلقي بظلالها على المشهد العام، وتؤثر بشكل مباشر على استقرار اقتصاد اليمن.
إن حجز المخصصات المالية للقوات العسكرية، سواء كانت مخصصات عسكرية أو رواتب، يمكن أن يؤدي إلى تداعيات أمنية واجتماعية خطيرة. فعدم انتظام الصرف يؤثر على معيشة الجنود وأسرهم، مما قد يهدد الأمن والاستقرار في المناطق الجنوبية. كما أن هذا الصراع حول تمويل المجلس الانتقالي يعكس هشاشة التحالفات السياسية والاقتصادية داخل المعسكر المدعوم من السعودية، مما قد يؤثر على أي جهود مستقبلية لإرساء السلام أو إعادة بناء الدولة. إن ملفات مثل أسعار النفط وتأثيرها على الموازنات الحكومية تصبح أكثر تعقيداً في ظل هذه النزاعات الداخلية. (اكتشف المزيد عن تأثير الصراعات على اقتصاد اليمن)
مستقبل غامض: هل تزيد الأزمة المالية الانقسام؟
تُشير مصادر إعلامية إلى أن الاعتماد الرئاسي لمخصصات الوقود والتغذية كان معمولاً به منذ فترة حكومة معين عبدالملك الثانية، عقب تشكيل المجلس الرئاسي في أبريل 2022. وكان الصرف يتم بصورة شهرية كأحد شروط تأسيس “مجلس الثمانية”. هذا السياق التاريخي يضيف بعداً آخر للأزمة الحالية، مبيناً أن الخلاف ليس وليد اللحظة بل هو نتيجة لتراكمات سياسية ومالية عميقة. القضية المالية لا تزال قيد نظر النيابة العامة، مما يعني أن فصولها لم تنتهِ بعد، وقد تكشف عن المزيد من التفاصيل التي قد تعيد تشكيل خارطة النفوذ في جنوب اليمن. كيف ستؤثر هذه التطورات على استثمار الجهود الدولية في دعم السلام، وما هي انعكاسات هذه الأزمة على جهود التجارة والشحن في الموانئ الجنوبية؟
يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الأزمة المالية ستعمق الانقسامات بين مكونات المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية، أم أنها ستدفع الأطراف نحو إعادة تقييم تحالفاتها. إن تجميد هذه الأموال، سواء كان لأسباب قانونية أو سياسية، يبعث برسالة قوية حول مدى النفوذ والتحكم الذي تمارسه بعض الأطراف، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الاستقرار في المناطق الجنوبية. هل يمكن أن تؤدي هذه التوترات إلى تغييرات جذرية في المشهد السياسي، خاصة مع استمرار تداعيات الصراع الأوسع في اليمن؟ (اقرأ تحليلاً حول الأزمة الاقتصادية في اليمن)



