هل تحولت جرينلاند إلى ساحة جديدة للصراع الجيوسياسي والاقتصادي؟ يبدو أن ثروة نفط جرينلاند المحتملة، المقدرة بتريليون دولار، أصبحت محط أنظار القوى الكبرى والشركات الطموحة، في ظل تحركات أمريكية لاستكشاف هذه الموارد، رغم اعتراضات السلطات المحلية ومخاوف بيئية متزايدة.
تحركات استكشافية مثيرة للجدل
تجد جزيرة جرينلاند نفسها مجدداً في قلب اهتمام عالمي، بعد أن بدأت شركة “جرينلاند إنرجي”، ومقرها تكساس وتأسست في عام 2025، تحركاتها للتنقيب عن النفط في منطقة “جيمسون لاند” شرق الجزيرة. هذه التحركات تأتي رغم عدم استكمال الشركة للحصول على الموافقات المطلوبة من السلطات المحلية، مما يثير تساؤلات حول مدى احترام السيادة المحلية والضوابط البيئية. قدرت الشركة قيمة الاحتياطيات النفطية المحتملة في المنطقة بما يصل إلى تريليون دولار، وتسعى لاختبار هذه التقديرات ميدانياً عبر عمليات حفر استكشافية. كانت الشركة قد خططت في البداية لإنفاق 60 مليون دولار لحفر بئرين، لكنها عدلت الخطة لاحقاً لحفر بئر واحد في المرحلة الأولى.
تصاعدت القضية مع وصول معدات الشركة إلى شاطئ “جيمسون لاند”، حيث أفرغت بارجة 12 حاوية من المعدات. أكدت حكومة جرينلاند أن الشركة لم تحصل على الموافقة اللازمة لإنزال المعدات، مشددة على ضرورة استشارة هيئة الموارد المعدنية. ومع ذلك، لم تطالب السلطات بإزالة المعدات، مشيرة إلى أن طلب الإذن لا يزال قيد الدراسة. في المقابل، عبرت الشركة للمساهمين عن تفاؤلها بإحراز تقدم، معلنة أن سفينة تحمل 300 حاوية إضافية ستغادر كندا في سبتمبر، لبدء عمليات الحفر في أكتوبر.
تداعيات اقتصادية وبيئية وسيادية
تكتسب الموافقات أهمية خاصة كون جرينلاند أوقفت إصدار تراخيص نفطية جديدة منذ عام 2021 لأسباب بيئية، وتقع الآبار المقترحة في منطقة يعتقد أنها محمية بموجب اتفاقية «رامسار» للأراضي الرطبة، وفق تقرير لصحيفة “الغارديان” [رابط خارجي مقترح]. إن السيطرة على الموارد الطبيعية هي من اختصاص السلطات المحلية في جرينلاند، بصفتها إقليماً شبه مستقل تابعاً للدنمارك. هذا يجعل أي محاولة للمضي قدماً في المشروع دون موافقات رسمية مسألة تتصل بالسيادة على الموارد الطبيعية، وليس فقط بالبيئة. تبرز هنا أهمية الاستثمار النفطي المسؤول والامتثال للوائح المحلية لضمان استدامة هذه الموارد. كما أن وجود شركة بريطانية باسم “80 مايل” تمتلك حقوق التنقيب في المنطقة يزيد من تعقيد المشهد، بينما تسعى “جرينلاند إنرجي” للاستحواذ على حصة أغلبية لتمويل عمليات استكشاف النفط.
إن التداعيات الاقتصادية لنجاح هذا المشروع يمكن أن تكون هائلة، حيث ستؤثر على أسعار الطاقة العالمية وخطوط الشحن، وتفتح آفاقاً جديدة للتجارة والاستثمار في المنطقة القطبية. لكن الفشل أو الإضرار البيئي قد يكلف العالم أكثر من تريليون دولار، خاصة مع تنامي الوعي بأهمية الحفاظ على التوازن البيئي.
ارتباطات سياسية ومستقبل نفط جرينلاند
تتزامن هذه التحركات مع اهتمام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بجرينلاند، ومطالبته بضمها للولايات المتحدة لما يراها فيها من أهمية استراتيجية وثروة جرينلاند الطبيعية الكبيرة. بعد يومين من وصول معدات الشركة، نشر ترامب صورة له مع عبارة “مرحباً جرينلاند”. لا تقتصر الصلات بين المشروع والدوائر السياسية الأمريكية على اهتمام ترامب؛ فقد استعانت الشركة بمقدم البرامج المحافظ فيل ماكجرو “دكتور فيل”، الذي عمل سابقاً في لجنة ترامب للحرية الدينية، لإنتاج سلسلة وثائقية تروج لمهمة التنقيب. هذه الارتباطات تثير تساؤلات حول الأبعاد السياسية وراء السعي لاستغلال موارد جرينلاند النفطية.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح الشركات الأمريكية في تحقيق طموحاتها في استخراج نفط جرينلاند، أم أن السيادة البيئية والوطنية للجزيرة ستضع حداً لهذه المساعي؟ إن مستقبل الطاقة العالمي والاقتصاد يتشابك مع مصير هذه الجزيرة القطبية، في صراع قد يعيد تعريف خريطة الموارد العالمية.



