في تطور يعكس عمق الأزمة اليمنية وتأثيرها على حركة التجارة وسبل العيش، يشهد ملف مطار صنعاء الدولي تجاذبات متصاعدة، فبعد أيام من استهداف مدرجه، أعلنت الأردن عن تسيير رحلات تجارية منتظمة، لكن حكومة صنعاء تصر على فتح المطار بشكل كامل ودون قيود، معتبرة أن الحلول الجزئية قد تتحول إلى أدوات للضغط السياسي والمقايضة، وهو ما يهدد بتعميق معاناة ملايين اليمنيين ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد اليمني.
تصعيد جوي وموقف صنعاء الثابت
عاد مطار صنعاء الدولي إلى واجهة الأحداث بقوة، عقب استهداف مدرجه مطلع يوليو الجاري، في تصعيد عسكري سعودي منع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفداً من أنصار الله (الحوثيين). هذا الاستهداف جاء بعد محاولات سابقة لمنع الرحلات المباشرة إلى صنعاء، مما دفع سلطات صنعاء إلى الإعلان عن إعادة تأهيل وإصلاح المدرج المتضرر بسرعة قياسية، مؤكدة جاهزية المطار مجدداً لاستقبال الرحلات الجوية. وقد أعلنت سلطات صنعاء أن الطائرة الإيرانية تمكنت من الهبوط في مطار الحديدة، الذي أعيد تشغيله بعد نحو عشر سنوات من التوقف، مما يشير إلى مرونة في التعامل مع التحديات الجوية.
تؤكد حكومة صنعاء أن المطار أصبح جاهزاً لاستقبال المزيد من الرحلات، بما في ذلك السعي لاستقطاب شركات طيران خارجية، مستفيدة من جاهزيته مقارنة ببقية المطارات اليمنية. ومع ذلك، يظل تشغيله محكوماً بالتجاذبات السياسية والعسكرية المستمرة، خاصة في ظل الخلاف حول الجهة المخولة بإدارة الحركة الجوية والإشراف على الرحلات الدولية. هذه التطورات تحمل في طياتها تداعيات كبيرة على حركة الشحن الجوي والتجارة، حيث يمكن أن يؤدي الفتح الكامل إلى خفض أسعار السلع الأساسية وتنشيط الأسواق المحلية.
المبادرة الأردنية: ترحيب مشروط وتداعيات سياسية
في خطوة تهدف إلى تخفيف المعاناة الإنسانية، أعلنت الأردن عن مبادرة لتسيير رحلات تجارية منتظمة بين عمّان وصنعاء عبر الخطوط الملكية الأردنية. هذه المبادرة لاقت ترحيباً من السعودية والمبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الذي اعتبرها إحياءً لمكتسبات هدنة عام 2022، ومساهمة في توسيع فرص السفر للمرضى والطلاب والمسافرين. كما رحبت جهة شرعية بالمبادرة، معتبرة إياها خطوة إنسانية، لكنها شددت على ضرورة أن يتم تشغيل الرحلات عبر الأطر القانونية ومن خلال الناقل الوطني اليمني، وقال رشاد العليمي إن الترحيب لا يعني التنازل عن حق الدولة الحصري في إدارة المجال الجوي.
في المقابل، رحبت سلطات صنعاء بإعلان استئناف الرحلات، لكنها شددت على أن مطلبها الأساسي يتمثل في فتح مطار صنعاء الدولي أمام جميع الوجهات الدولية دون أي قيود أو شروط. وأكدت أن أي رحلات مرحب بها إذا جاءت ضمن اتفاق مع الجهات المختصة في صنعاء، لكن الاقتصار على وجهة واحدة يمثل خطوات مؤقتة قد تتحول إلى أدوات للضغط والمقايضة السياسية. ويُنظر إلى أن ملف المطار لا يقتصر على حركة الطيران فحسب، بل يرتبط بملفات إنسانية أوسع مثل صرف رواتب الموظفين.
التأثيرات الاقتصادية والإنسانية لفتح المطار
إن استمرار القيود على مطار صنعاء الدولي يترك آثاراً عميقة على الاقتصاد اليمني وعلى حياة المواطنين. فإغلاق المطار أو تقييد وجهاته يعني ارتفاع تكاليف السفر، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية، وتأخر وصول المرضى للعلاج في الخارج، فضلاً عن عرقلة حركة التجارة والشحن. يمكن أن يؤدي الفتح الكامل للمطار إلى خفض تكاليف الاستيراد والتصدير، مما ينعكس إيجاباً على أسعار السلع في الأسواق المحلية، ويسهم في جذب الاستثمارات الضرورية لإعادة بناء البنية التحتية المتضررة.
إن ربط ملف المطار بملفات سياسية أخرى، مثل استئناف تصدير النفط أو صرف الرواتب، يبرز التعقيدات المتشابكة في المشهد اليمني. فكلما طال أمد هذا التجاذب، تفاقمت الأزمة الإنسانية والاقتصادية، مما يؤثر على قدرة اليمنيين على الصمود. ويظل السؤال الأبرز هو: هل ستتمكن الأطراف المعنية من تجاوز الخلافات والوصول إلى حل شامل يضمن تدفق حركة الطيران المدني والتجاري بسلاسة، أم أن المطار سيبقى رهينة للصراعات السياسية، مما يعيق أي جهود حقيقية لتحقيق الاستقرار والتعافي الاقتصادي في البلاد؟
للمزيد حول الأزمة الإنسانية في اليمن، يمكنكم زيارة تقاريرنا السابقة. كما ننصح بالاطلاع على آخر تحديثات الأمم المتحدة حول الوضع في اليمن.



