لطالما كانت اليمن مهدًا لحضارات عريقة، وشاهدًا على أمجاد تجارية واقتصادية ازدهرت لآلاف السنين. اليوم، يواجه هذا الإرث العظيم خطر الزوال، مع استمرار ظاهرة تهريب الآثار اليمنية التي تستنزف الثروة الثقافية للبلاد وتغذي أسواق الفن العالمية. يكشف خبير الآثار اليمني، عبدالله محسن، عن تسرب هائل لأصول تاريخية لا تقدر بثمن، لتستقر في مجموعات خاصة خارج الحدود، في نزيف اقتصادي وسيادي يهدد مستقبل الأجيال وذاكرة الأمة.
الخسارة الصامتة: أصول يمنية في مجموعات خاصة
يتزامن هذا الكشف مع إعلان إصدار كتاب ضخم بعنوان “فنون جنوب الجزيرة العربية القديمة” ضمن سلسلة مجموعة الصباح في الكويت. هذا الإصدار، الذي يمتد على 624 صفحة ويضم 350 صورة ملونة، يعرض قطعًا أثرية يمنية نادرة، يُنشر الكثير منها للمرة الأولى. هذه المجموعة، بحسب الخبير عبدالله محسن، تعطي لمحة أولية عن الحجم الهائل للمادة الأثرية التي فقدتها اليمن، وتثير تساؤلات جدية حول الطرق التي سلكتها هذه القطع لتخرج من موطنها الأصلي.
تمتد الفترة التاريخية لهذه الأصول المنهوبة من الألفية الثالثة قبل الميلاد حتى القرن الثالث الميلادي، وهي حقبة ذهبية شهدت فيها اليمن قمة ازدهارها الاقتصادي. كانت اليمن في قلب طرق التجارة البحرية العالمية، تسيطر على قوافل البخور الشهيرة. المفارقة اليوم أن هذه الآثار، التي تروي قصص قوة اقتصادية وتجارية يمنية عظمى، تحولت إلى سلع تتنقل عبر مسارات تجارية غامضة، خارج سيطرة الاقتصاد الوطني اليمني واستفادته.
التداعيات الاقتصادية والسيادية لنهب التراث
من منظور اقتصادي وعلمي، يؤكد الخبير عبدالله محسن أن القيمة الحقيقية والمضافة للقطعة الأثرية تتلاشى بمجرد انتزاعها من سياقها الأصلي. الأثر ليس مجرد تحفة جمالية تُقيّم مادياً في صالات المزادات؛ بل قيمته تكتمل بمعرفة مكان اكتشافه والطبقة الأثرية التي انتمى إليها. هذه “البيانات الوصفية” هي ما يمنح القطعة وزنها المؤسسي والتاريخي، ويجعلها مصدرًا لا يقدر بثمن للبحث العلمي والسياحة الثقافية.
انتزاع الأثر من سياقه وتحويله إلى سلعة في أسواق الآثار يؤدي إلى ما يُعرف بـ “الإهلاك المعرفي والتاريخي”. فالقطعة تفقد جزءًا كبيرًا من ذاكرتها وقدرتها على الإجابة عن أسئلة التاريخ، ورغم جاذبيتها الشكلية، إلا أن قيمتها البحثية والاستثمارية في المتاحف والسياحة العلمية تتراجع بشكل حاد. يطرح محسن تساؤلات حول سلاسل التوريد في هذا الاقتصاد الخفي لتجارة الآثار: من أخرج هذه القطع؟ ومتى؟ وبأي طريقة؟ وهل خرجت عبر تنقيب علمي موثق أم عبر قنوات السوق السوداء؟ هذه التساؤلات تؤكد وجود شبكات غير مشروعة تستنزف رأس المال الثقافي لليمن، وتحقق هوامش أرباح عالية على حساب مقدرات الأجيال القادمة.
تحديات استعادة القيمة المضافة: سؤال الهوية والتنمية
يمثل خروج هذا العدد الكبير من القطع الأثرية النادرة وتوثيقها في مجموعات خارجية تجسيدًا لحالة من “هروب رأس المال الثقافي” خارج الحدود اليمنية. عندما تغادر القطعة الأثرية مكانها، يفقد الاقتصاد المحلي المرتبط بها فرصًا تنموية واعدة. تتمثل هذه الفرص في تطوير المواقع الأثرية، وجذب الاستثمارات في البنية التحتية السياحية، وخلق فرص عمل للمجتمعات المحلية التي تعيش بالقرب من هذه المعالم. إن الارتباط بين التراث الثقافي والتنمية الاقتصادية أمر حيوي، فكل قطعة أثرية تمثل جزءاً من قصة وطنية يمكن أن تجذب الزوار والاستثمارات، وتساهم في تحسين أسعار السلع المحلية والخدمات.
إن استنزاف الثروة الثقافية هذا ليس مجرد خسارة مادية، بل هو فقدان لجزء من الهوية الوطنية التي تشكل ركيزة أساسية لأي نهضة مستقبلية. فكل قطعة أثرية تحمل في طياتها تاريخًا وذاكرة، وتوثق مسيرة أمة. استعادة هذه الأصول ليست فقط واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا، بل هي استثمار في مستقبل اليمن، يضمن للأجيال القادمة فرصة للتعرف على عظمة أسلافهم، ويبني جسرًا بين الماضي والحاضر، قد يفتح آفاقًا جديدة للاقتصاد والتنمية في البلاد.



