في الوقت الذي يئن فيه ملايين اليمنيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، تتصاعد حدة الجدل حول ملف تهريب الغاز اليمني، لتلقي بظلالها على أسواق الطاقة والاقتصاد الوطني. فقد وجهت السلطات في عدن اتهامات مباشرة لشركة صافر للغاز، متهمة إياها بالتورط في مخططات تهريب ممنهجة تزيد من معاناة المواطنين في المحافظات الجنوبية والشرقية، وتعمق من أزمة انعدام الغاز المنزلي.
اتهامات رسمية ومخططات تهريب الغاز اليمني المزعومة
أصدرت غرفة العمليات المشتركة للغاز، التابعة للسلطات في عدن، بياناً صحفياً شديد اللهجة، نددت فيه باستمرار الأزمات التموينية وانعدام مادة الغاز المنزلي. ووصف البيان الوضع بـ”المزري”، مؤكداً أن الأزمة “مفتعلة” وتستهدف مضاعفة معاناة المواطنين المكتوين بغلاء المعيشة. ولم تتردد الغرفة في توجيه أصابع الاتهام لشركة الغاز (صافر)، مشيرة إلى أن الشركة تلعب دوراً “سلبياً ومريباً” حيال عمليات التهريب الممنهجة التي تحدث أمام مرأى ومسمع منها. ويُعد هذا الصمت، بحسب البيان، تخلياً عن الدور الرقابي، مما يجعل الشركة جزءاً من الأسباب العميقة للأزمة المتفاقمة.
كما فندت السلطات في عدن ادعاءات شركة صافر التي تبرر الانقطاعات بوجود “تقطعات ميدانية”، واصفة إياها بـ”السردية التضليلية” الرامية إلى شرعنة نهب مقدرات الشعب. هذه الاتهامات تأتي في سياق معقد، حيث تتوزع السيطرة على موارد الطاقة بين أطراف النزاع المختلفة، مما يفتح الباب أمام اتهامات متبادلة حول إدارة هذه الموارد وأسعار بيعها في الأسواق المحلية.
تداعيات اقتصادية وسياسية لأزمة الغاز
لا تقتصر أزمة الغاز على مجرد نقص في سلعة حيوية، بل تمتد تداعياتها لتشمل جوانب اقتصادية واجتماعية وسياسية واسعة. فارتفاع أسعار الغاز في السوق السوداء يؤثر مباشرة على ميزانيات الأسر، ويزيد من تكلفة المعيشة في بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. كما أن استمرار تهريب الغاز اليمني يمثل نزيفاً للموارد الوطنية، ويحرم الدولة من إيرادات حيوية يمكن استخدامها لتحسين الخدمات الأساسية وتوفير فرص استثمار حقيقية. إن هذه الممارسات غير المشروعة في تهريب الغاز اليمني تقوض الثقة في المؤسسات وتعرقل جهود الاستقرار الاقتصادي.
على الصعيد السياسي، قد تستخدم هذه الاتهامات كورقة ضغط في الصراع الدائر، حيث تسعى كل جهة لإظهار عجز الطرف الآخر عن إدارة شؤون البلاد وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين. إن الاتهامات بوجود “أجندة تخريبية” تهدف لإثارة السخط الشعبي وتقويض جهود الاستقرار والتنمية، تشير إلى عمق التوتر السياسي الذي يحيط بملف الطاقة. هذا الوضع المعقد يلقي بظلاله على جهود إحلال السلام ويزيد من تعقيد المشهد العام في البلاد.
إجراءات مقترحة وأفق مفتوح
كشف البيان عن خطوات استراتيجية بالتنسيق مع رئاسة المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية لضبط الأزمة. من أبرز هذه الخطوات فرض نظام تتبع إلكتروني (GPS) على كافة مقطورات الغاز، بهدف قطع دابر التلاعب بالوجهات والكميات وضمان وصول شحن الغاز إلى مستحقيه. كما طالبت السلطات وزارة الداخلية بتكليف أفراد أمن لمرافقة المقطورات من منبعها في صافر وحتى وصولها النهائي، لضمان عدم تسربها إلى أسواق التهريب. وجددت الغرفة مطالبتها بتشكيل لجنة عليا للتحقيق ومحاسبة المتورطين في نهب مخصصات المحافظات من نافذين ومهربين.
وفي ظل هذه التطورات، تظل التساؤلات مطروحة حول مدى فعالية هذه الإجراءات في كبح جماح تهريب الغاز اليمني، وإعادة الاستقرار لسوق الغاز. فهل ستنجح هذه التدابير في وضع حد لمعاناة المواطنين، أم أن الأزمة أعمق من مجرد إجراءات أمنية وتقنية؟ يبقى اقتصاد اليمن رهيناً لهذه الصراعات، التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الملايين وتعيق أي محاولات للتعافي أو بناء مستقبل مستقر.



