بعد توقف دام عامين، تستعد الموانئ اليمنية لإعادة ضخ الحياة في شرايينها الاقتصادية مجدداً، مع إعلان وزارة النفط في عدن عن استكمال استعداداتها الفنية والتنفيذية لـ استئناف تصدير النفط اليمني الخام. هذه الخطوة تأتي في ظل مخزون جاهز يتجاوز 1.7 مليون برميل، ما يمثل دفعة أولية حيوية لإيرادات البلاد وتعزيز استقرار الاقتصاد الوطني الذي أنهكته سنوات الصراع.
خطة استئناف النفط: أرقام وتحديات أولية
أكد وزير النفط، محمد بامقاء، أن وزارة النفط قد قطعت شوطاً كبيراً في تنفيذ توجيهات المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية لاستعادة نشاط التصدير، مشيراً إلى أن الإجراءات الفنية والروتينية لضخ النفط إلى الناقلات أوشكت على الانتهاء. هذا المخزون الضخم البالغ 1.7 مليون برميل يمثل الكمية الأولية المتاحة قبل العودة التدريجية لعمليات الإنتاج والتصدير، ما يفتح آفاقاً جديدة لتدفق العملة الأجنبية ودعم الموازنة العامة.
وتهدف الخطة الحكومية إلى رفع الإنتاج النفطي في المرحلة الأولى إلى نحو 60 ألف برميل يومياً، عبر إعادة تشغيل عدد من القطاعات النفطية الرئيسية. تتوزع هذه المستهدفات بين قطاع بترومسيلة (8-10 آلاف برميل يومياً)، وقطاع العقلة في شبوة (نحو 5 آلاف برميل يومياً)، إضافة إلى قطاع جنة هنت وقطاع صافر في مأرب (15-20 ألف برميل يومياً لكل منهما)، وحقل كالفالي (نحو 8 آلاف برميل يومياً). هذه الأرقام تعكس مسعى حثيثاً لإعادة القطاع النفطي إلى مستويات تشغيلية قريبة من تلك التي سبقت توقف الصادرات في أكتوبر 2022، والذي أدى إلى تراجع كبير في نشاط الشركات النفطية وإيرادات النفط.
ورغم التفاؤل، تواجه وزارة النفط تحديات فنية، أبرزها مشكلة تخزين المياه المصاحبة للإنتاج في شركة بترومسيلة. ومع ذلك، تؤكد الحكومة أنها بدأت تنفيذ حلول عبر حفر آبار جديدة لمعالجة هذه الإشكالية، لضمان استمرارية عمليات الإنتاج بكفاءة.
تداعيات اقتصادية وأمنية: إعادة تنشيط الشرايين المالية
لقد تسبب توقف الصادرات النفطية منذ عام 2022 بأضرار واسعة على اقتصاد اليمن، حيث فقدت حكومة عدن مورداً رئيسياً كان يمثل مصدراً أساسياً لتمويل الموازنة العامة وتوفير العملة الأجنبية. وقد أثر ذلك سلباً على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية، خاصة دفع رواتب الموظفين وتمويل قطاعات حيوية مثل الكهرباء والخدمات العامة. لذا، فإن استئناف تصدير النفط اليمني يمثل أملاً كبيراً في تخفيف هذه الأعباء، وتحسين أسعار السلع الأساسية.
من الناحية الأمنية، يُعد تأمين الموانئ وجذب شركات الشحن العالمية تحدياً رئيسياً لاستدامة عمليات التصدير. فالحفاظ على بيئة آمنة ومستقرة للمنشآت النفطية والممرات الملاحية أمر بالغ الأهمية لضمان تدفق الاستثمارات واستمرارية التجارة. تتطلب هذه الخطوة جهوداً متضافرة من جميع الأطراف المعنية لضمان عدم تعرض هذه الشرايين الاقتصادية لأي تهديدات قد تعيق تعافي البلاد.
تجدر الإشارة إلى أن جزءاً من الإنتاج النفطي سيُخصص لتغطية احتياجات السوق المحلية، خصوصاً لتشغيل محطات الكهرباء. تحتاج شركة بترومسيلة بين 5 آلاف و8 آلاف برميل يومياً للاستهلاك المحلي، بينما تحتاج صافر نحو 8 آلاف برميل يومياً. كما تعتمد كهرباء عدن على نحو 3500 برميل يومياً من إنتاج بترومسيلة، إضافة إلى ما بين 4 آلاف و5 آلاف برميل يومياً من إنتاج صافر والعقلة. هذا يعني أن حجم النفط المتاح للتصدير سيكون مرتبطاً بقدرة القطاعات الإنتاجية على تلبية الاحتياجات المحلية، وليس فقط بحجم الإنتاج الإجمالي.
مستقبل سوق النفط اليمني: بين التفاؤل والواقع
تراهن حكومة عدن على تحقيق نمو بنسبة 25% خلال الشهر الأول من استئناف التصدير، مع إمكانية مضاعفة الإنتاج خلال ثلاثة أشهر في بعض الحقول، خصوصاً في مأرب وشبوة. يرتبط هذا التوسع المتوقع بالاستفادة من الغاز المصاحب للإنتاج النفطي، والذي يمكن أن يساعد في تحسين كفاءة التشغيل وتقليل بعض القيود الفنية. هذه التوقعات الطموحة تشير إلى إمكانية تعزيز مكانة اليمن في أسواق الطاقة الإقليمية، وزيادة مساهمة القطاع النفطي في الناتج المحلي الإجمالي.
إن استئناف تصدير النفط اليمني يمثل أكثر من مجرد عملية اقتصادية؛ إنه مؤشر على مسار محتمل نحو الاستقرار والتعافي. فمع عودة تدفق الإيرادات، يمكن للمجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية أن يعزز قدرته على تقديم الخدمات الأساسية ودفع الرواتب، مما يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين. ولكن يبقى التحدي الأكبر في الحفاظ على هذا الزخم، وضمان بيئة آمنة وجاذبة للاستثمارات، بعيداً عن تقلبات الصراع، ليتمكن اليمن من استعادة عافيته الاقتصادية بشكل مستدام.



