في خضم المشهد اليمني المعقد، حيث تتشابك الخيوط السياسية والاقتصادية والأمنية، يبرز صوت يحمل رؤية قد تكون مفتاحًا للعبور نحو بر الأمان. يتحدث أكرم العامري، وزير الدولة اليمني، في لقاء مع «الشرق الأوسط بودكاست»، عن ضرورة توحيد القرار العسكري كركيزة أساسية لتحقيق استقرار اليمن. هذه الرؤية تأتي في وقت تتفاقم فيه التحديات، وتتعدد فيه مراكز القوى، مما يجعل من الوحدة العسكرية مطلبًا حيويًا لا غنى عنه لإنهاء سنوات الصراع المنهك.
نظرة على الوضع الراهن وتحديات استقرار اليمن
قدم أكرم العامري، خلال حواره، قراءة متأنية للأحداث التي تلت التطورات في حضرموت، مسلطًا الضوء على هشاشة الوضع الأمني والسياسي في المناطق التي تشهد تعدداً في الولاءات العسكرية. يشير العامري إلى أن غياب قيادة عسكرية موحدة يؤدي إلى استنزاف الموارد وتشتيت الجهود، مما يعرقل أي مسعى جاد نحو استقرار اليمن الشامل. ففي غياب مظلة عسكرية وطنية واحدة، تبقى المناطق عرضة للتوترات والصراعات البينية، التي لا تخدم سوى أجندات لا تتماشى مع المصلحة اليمنية العليا. إن هذا التشرذم ينعكس سلبًا على قدرة الدولة على بسط سيادتها وحماية مواطنيها، ويؤثر بشكل مباشر على الحراك الاقتصادي والتجاري في البلاد.
تتطلب المرحلة الراهنة تفكيراً جاداً في كيفية بناء مؤسسة عسكرية وطنية حقيقية، بعيداً عن الانتماءات الفئوية أو الإقليمية، قادرة على حماية الحدود، والحفاظ على الأمن الداخلي، وتأمين الممرات المائية الحيوية. هذا التحدي يمثل محوراً رئيسياً في أي حوار يهدف إلى مستقبل اليمن واستقراره.
تداعيات توحيد القرار العسكري: اقتصاد وأمن
إن توحيد القرار العسكري يحمل في طياته تداعيات إيجابية عميقة على المستويين الأمني والاقتصادي. أمنياً، سيسمح بإنهاء حالة الفوضى، وتجفيف منابع الإرهاب، وتوحيد الجبهات ضد أي عدوان خارجي. هذا الاستقرار الأمني سيفتح الباب أمام عودة الحياة الطبيعية، وإعادة إعمار البنية التحتية المدمرة، مما ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين اليومية. كما سيعزز من قدرة الحكومة على حماية الموارد الطبيعية للبلاد، خاصة قطاع النفط والغاز، الذي يمثل شريان الحياة للاقتصاد اليمني.
اقتصادياً، سيؤدي الاستقرار إلى تحسين بيئة الاستثمار، وجذب رؤوس الأموال، وتنشيط حركة التجارة في الموانئ اليمنية التي تعد بوابات حيوية للأسواق الإقليمية. انخفاض المخاطر الأمنية يعني انخفاض تكاليف الشحن والتأمين، مما ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويخفف العبء عن كاهل المواطن. يمكن أن يسهم توحيد القرار العسكري في استعادة الثقة في العملة الوطنية، وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، وفتح آفاق جديدة للتنمية المستدامة، بما يخدم مستقبل اليمن وازدهاره.
المجلس الرئاسي وحكومة صنعاء: رؤى متباينة لمستقبل اليمن
في سياق السعي نحو استقرار اليمن، تبرز التباينات في الرؤى بين الأطراف الفاعلة على الساحة اليمنية. ففي حين يعمل المجلس الرئاسي الذي تقوده السعودية على ترتيب أوراقه في المناطق الجنوبية، تواصل حكومة صنعاء جهودها لتعزيز سيادتها وتوحيد الصف الوطني في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، مؤكدة على ضرورة حل الأزمة من خلال حوار يمني-يمني شامل. كل طرف يرى في مبادرته المسار الأمثل لتحقيق السلام في اليمن، إلا أن نقطة التقاء الجميع تكمن في أهمية وجود قوة عسكرية وطنية موحدة لا تخضع لأي إملاءات خارجية.
إن تحقيق هذا الهدف يتطلب تجاوز الخلافات، والتركيز على المصلحة الوطنية العليا، بعيداً عن التدخلات الإقليمية والدولية التي غالباً ما تزيد من تعقيد المشهد. إن أي حل مستقبلي يجب أن يضمن سيادة اليمن وكرامته، ويحقق تطلعات شعبه في الأمن والرخاء.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه اليمن اليوم هو كيفية تحويل هذه الرؤى المتعددة إلى خطة عمل موحدة، تضع توحيد القرار العسكري في صلب أولوياتها. فبدون هذا التوحيد، ستظل البلاد غارقة في دوامة الصراعات، وستستمر المعاناة الإنسانية والاقتصادية. إن السبيل الوحيد لتحقيق استقرار اليمن الدائم يكمن في إرادة وطنية جامعة، قادرة على بناء جيش وطني قوي ومؤسسات دولة فاعلة، تضمن مستقبل اليمن لأجياله القادمة وتفتح آفاقاً جديدة للسلام والازدهار.


