في تحول لافت عن عقود من السياسة الخارجية، لم تعد واشنطن تكتفي بإدارة الصراعات، بل تسعى الآن لتحميل حلفائها عبء تكاليف حرب إيران، في استراتيجية تلقي بظلالها على اقتصادات المنطقة. هذا التوجه الجديد يضع دول الخليج العربي أمام معادلة صعبة، حيث تجد نفسها مدفوعة للمساهمة في تمويل عمليات عسكرية ضخمة، بعد أن كانت العلاقة تعتمد على الحماية مقابل الولاء.
تحول استراتيجي: واشنطن تطلب تمويل تكاليف حرب إيران
كشفت متحدثة البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، عن نية الإدارة الأمريكية دعوة دول الخليج للمساهمة في تحمل تكاليف حرب إيران. هذا الإعلان يعكس رؤية الرئيس السابق دونالد ترامب بضرورة أن يتحمل الحلفاء مسؤولياتهم الأمنية. يرى ترامب أن على الدول أن تدافع عن مصالحها بنفسها، أو أن تدفع ثمن الحماية الأمريكية. وقد بلغت التكاليف الأولية لهذه المواجهة، وفق متابعات مرصد “بقش”، ما بين 28 و30 مليار دولار خلال أسابيع قليلة، منها 12 مليار دولار في الأيام الأولى فقط. هذا الرقم الضخم يوضح حجم العبء المالي المطلوب.
صمت خليجي وتحديات أمنية
في مقابل هذا الابتزاز العلني، يبدو الموقف الخليجي مرتبكاً وصامتاً بشكل مريب. تمتلك هذه الدول واحدة من أهم ثروات الطاقة في العالم، لكنها تجد نفسها عاجزة عن تأمين شريانها الحيوي. تعتمد هذه الدول على قوة خارجية لا تخفي ازدراءها لها في بعض الأحيان. سبق أن وجه ترامب إهانات لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ولم يقابلها أي رد رسمي أو دبلوماسي سعودي. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول قدرة دول الخليج على التأثير في مسار الحرب أو ضمان أمن صادراتها، وهي تدفع اليوم دور الممول الصامت.
مضيق هرمز: ورقة ضغط عالمية
تحول إغلاق مضيق هرمز الفعلي إلى أداة ابتزاز جيوسياسي بيد أطراف متعددة. يمر عبر المضيق جزء ضخم من تجارة النفط العالمية، مما يجعله نقطة استراتيجية حساسة. تستخدم إيران المضيق لفرض معادلات ردع وتطالب بفرض سيادتها عليه رسمياً. من جهة أخرى، تستخدم الولايات المتحدة المضيق لابتزاز حلفائها، بمن فيهم الأوروبيون والخليجيون. تقف دول الخليج في المنتصف دون استراتيجية واضحة للتعامل مع هذا التحدي. يؤدي هذا الانسداد إلى تعطيل الإمدادات، وتجبر المصافي الآسيوية على خفض الإنتاج، بينما تواجه أوروبا أزمة حقيقية في وقود الطائرات، حيث تعتمد على الخليج بنحو نصف وارداتها. يواجه قطاع الطيران العالمي نقصاً حاداً في الكيروسين، مع طلب عالمي يصل إلى 7.8 مليون برميل يومياً.
تداعيات اقتصادية وسياسية
رغم هذه التطورات، يواصل ترامب إرسال إشارات متناقضة. يؤكد أنه غير مستعد لسحب القوات من الشرق الأوسط، ولكنه يلمح إلى إمكانية إنهاء الحرب حتى لو بقي المضيق شبه مغلق. هذا التناقض يمثل تكتيكاً لإبقاء المنطقة على حافة التوتر. كما يهدف إلى نقل العبء المالي والعسكري تدريجياً إلى الحلفاء، وفي مقدمتهم دول الخليج. ما يحدث اليوم يكشف أن الثروة وحدها لا تصنع قوة حقيقية. تجد دول الخليج نفسها في موقع التابع، وتدفع كلفة الحروب، وتعتمد على حماية خارجية. هذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذه الدول ودورها كممول للأزمات في المنطقة.



