شبه الجزيرة نت | مقالات | عبد الرحمن أبوطالب
عندما تتابع كواليس السياسة الأمريكية وتصريحات مسؤوليها المتناقضة والاستعلائية والتعجيزية واللامنطقية، تبدأ بالتفكير في الطريقة التي يمكن أن ترضي بها هذه الدولة، ومع ذلك ستجد اختلافاً وفجوات بين معاملتها لك ومعاملتها لدولة حدودية معك، فتبدأ بالسؤال التالي: هل هناك معايير ثابتة في سياستها الخارجية أم أن تلك المعايير تختلف باختلاف الدول؟ هذا ما سنركز عليه ونجيب عنه نقطة تلو الأخرى.
سنبدأ بالدول النفطية الغنية، والتي تفضلها أمريكا دائماً. وإن كنت زعيماً أو قائداً لمثل هذه الدول، فعليك أن تكون دائماً وأبداً “الممول الحليف” كأول خطوة في طريقك لإرضاء أمريكا؛ فلا يكفي أبداً أن تكون غنياً، بل يجب أن يكون غناك “وظيفياً” في المنظومة الدولية، وأن تحقق الاندماج المالي الكامل مع “بلد الحرية”، ما يعني أن تكون جميع استثماراتك السيادية -أو على الأقل أغلبها- مرتبطة بالسوق الأمريكي. يجب أيضاً أن تكون مستعداً دائماً للدور الإغاثي والسياسي الذي سيمليه عليك موظفو الخارجية الأمريكية، وأن تمول بسخاء المبادرات التي تخدم الاستقرار العالمي بمنظور “واشنطن” فقط. ولا تنسَ الاهتمام بأمن الطاقة، وأن تضمن تدفق الموارد بأسعار لا تتسبب في أي صدمات للاقتصاد الأمريكي المستقر دائماً.. لولا بعض “الدول الغبية”.
عليك بعد كل ذلك أن تتشرف بقبولك كحليف استراتيجي، وهو ما يعني أن الكثير من المساحات في أرضك ستصبح ملكاً خاصاً للقوات الأمريكية وستسمى “قواعد عسكرية أمريكية”. لا تريد ذلك؟ لا يهم؛ لم توافق الكويت على الأمر لكنه أمر غير قابل للنقاش،الايجابي فيه انه “قابل للتعود”، فقد اعتادوا هم وجيرانهم على الأمر. كل ما عليك الآن هو الفخر بهذه الشراكة الاستراتيجية الهامة لك ولبلدك ولشعبك، وفي حال قررت أمريكا أن تعلن عدوانها على أي بلد مجاور فعليك أن تساعد في حماية تلك القواعد، وأن تدين أي استهداف لها باعتبارها في أرضك، أليس كذلك؟
أما عن تلك الدول الفقيرة، فهو ما يرهق “العظيمة أمريكا”؛ حيث ستكرس كل جهودها لتنمية اقتصادك، وتقوم ببناء وعيك من جديد لتتلاءم مع الوعي الأمريكي المتقدم بسنين ضوئية، وستتواضع لتبدأ بتعليمك ما هو الخير والشر؛ ستعرف من خلالها ما هي الحرية والديمقراطية، وستقرر هي من يحكم شعبك وما هي معايير الحاكم، والمحكوم أيضاً، لتصلوا جميعا إلى وضعية “التلميذ المطيع”. والمعيار هنا هو كيفية “الامتثال” للأمر وسرعة الاستجابة لروشتة المؤسسات الدولية، والانفتاح الاقتصادي وتبني سياسات السوق الحر وخصخصة القطاعات العامة والتبعية الإدارية، والالتزام بمعايير “الحوكمة” التي تضعها المؤسسات المانحة والمحايدة تماماً بشهادة “العظيمة أمريكا” (البنك الدولي وصندوق النقد). لها كلفة اجتماعية باهظة؟ لا بأس ستعتاد عليها، الأردن بخير اليوم، ومجتمعه أيضاً بخير.. نوعاً ما.
بعد أن فهمت المهم، يجب عليك أن تبدأ بالتطبيق وهو الأهم؛ فلا بد من الممارسة واكتساب الخبرة في “الرقص على حبال الحزبين” لكي تضمن الرضا الدائم من قبل واشنطن متفادياً التقلبات الدائمة للبيت الأبيض. عليك أن تبني خطاباً مطولاً لحقوق الإنسان والديمقراطية والمناخ عندما يحكم الديمقراطيون، وأن تكون جاهزاً لإصدار بيانات وخطابات أقرب للغة الصفقات والتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب عندما يحكم الجمهوريون، وأن تكون على قدرٍ عالٍ من الهمة خلال محاولتك إقناع “الدولة العميقة” بأنك حليف استراتيجي لا يتغير بتغير الرئيس. وهذه الدولة ستفرض عليك اختبارات إنسانية صعبة ومفاجئة، وستلاحظ بتركيزٍ عالٍ ردات فعلك بعد كل خطوة وجريمة تقوم بها إسرائيل.. فانتبه جيداً لكلماتك. ولا تقلق، الجميع أصبح يفعل ذلك بسهولة،اغلب دول العالم تفعل ذلك كل يوم تقريبا؛ لقد أصبح زعماء الدول خبراء في انتقاء الكلمات، وازدواجية المعايير، والتغافل، والتجاهل، واقتناص أخطاء من تبقى من الضحايا؛ فلا تتردد أبداً في التعلم منهم.
أما إذا كنت من نوع آخر تماماً من البشر، بغض النظر عن مستوى فقرك أو ثروتك، من أولئك الأحرار الذين لا يتقبلون كل هذا الإذلال، فإذن أنت وبشكل تلقائي أصبحت: إرهابياً، قمعياً، ديكتاتورياً، متطرفاً، خطيراً، نازياً، “عربياً”، معادياً للسامية، أسود غامق، سيئاً، أفغانياً.. هل لك ارتباط بروسيا، كوريا الشمالية، الصين، موسوليني ربما؟ على كلٍّ، أنت تشكل الآن تهديداً على شعبك، ومنطقتك، وعلى العالم؛ أنت خطر على ازدهار العالم والتجارة العالمية والإنسانية بشكل عام. سيتم رصد هذا مبكراً، وستبدأ الحرب الإعلامية والاقتصادية عليك لسنوات، سيخلق هذا نوعاً من المعارضة الداخلية التي سيتم دعمها سياسياً، وسيدخلونك في حروب جانبية؛ فإذا لم يفد كل ذلك، وتم التأكيد على أنك تشكل خطراً فعلياً على إسرائيل، فسترى الأساطيل الأمريكية قادمة لتحرير شعبك منك، فأنت كما قلنا سابقاً، سيء وخطير، وأمريكا لا ترضى بشيء كهذا في عالمها “الحر والعادل”.
ايران، اليمن،غزة،جنوب لبنان،الشرفاء في العراق والجزائر وامريكا الجنوبية والاحرار كمنظمات او افراد، في اوروبا واسيا وافريقيا، بل حتى في امريكا نفسها وفي كل مكان في هذا العالم فهموا وادركوا خطورة ان تكون شجاع، فهموا خطورة تبعات مواقفهم الشجاعة، لكنهم ومع ذلك فضلوا الحرب، الموت،الاختطاف والملاحقة والتهديد والعقوبات، خشية من أن يتقبلوا ثم يعتادوا ” على الأمر – الأمريكي” كما فعل الكثير غيرهم.